التحالفات الورقية وحسابات البقاء: لماذا لن تحارب باكستان إيران من أجل عيون الخليج؟

تحليل استراتيجي يوضح أسباب امتناع باكستان عن خوض حرب ضد إيران دفاعاً عن الخليج، نظراً لتشابك الجغرافيا السياسية وحسابات الأمن القومي الداخلي.

التحالفات الورقية وحسابات البقاء: لماذا لن تحارب باكستان إيران من أجل عيون الخليج؟
التحالفات الورقية وحسابات البقاء: لماذا لن تحارب باكستان إيران من أجل عيون الخليج؟

بقلم:د. علاء أبوعامر 

في عالم السياسة، تُرسم الحدود بالحبر، لكن التحالفات تُكتب بدم المصالح. حين أعلنت باكستان، بالتنسيق مع السعودية وتركيا، عن تفعيل "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" رداً على التصعيد الحوثي الأخير ضد المنشآت الحيوية السعودية، سارع الكثيرون إلى قراءة المشهد كإعلان حرب إقليمية جديدة. لكن نظرة فاحصة تحت سطح التصريحات الرنانة تكشف أن هذا التلويح ليس سوى مناورة دبلوماسية خشنة، ومحاولة ذكية للردع السياسي، عاجزة عن التحول إلى واقع عسكري على الأرض.

تواجه باكستان معضلة استراتيجية كبرى تجعل من فكرة خوض حرب ضد إيران وحلفائها ضرباً من الانتحار. فإسلام آباد محاطة بحزام من اللهب؛ جبهة شرقية ملتهبة وتاريخية مع الهند، وجار شمالي غير مستقر في أفغانستان. وفي ظل هذا الحصار الجغرافي، لا يمكن لباكستان أن تجازف بفتح جبهة ثالثة مع جارتها الغربية إيران، التي تمثل لها عمقاً أمنياً حيوياً تفرغ من خلاله لقضيتها الوجودية في كشمير.

علاوة على ذلك، فإن الداخل الباكستاني يحمل قنبلة موقوتة تتمثل في وجود نحو خمسين مليون مواطن من الطائفة الشيعية. أي صدام عسكري مباشر مع طهران لن يظل محصوراً على الحدود، بل سينتقل فوراً كالنار في الهشيم إلى المدن الباكستانية، مهدداً السلم الأهلي ومشعلاً فتنة مذهبية داخلية يعلم قادة الجيش في راولبندي تماماً أنهم لا يملكون ترف مجابهتها، خصوصاً في ظل الأزمات الاقتصادية الطاحنة التي تعصف بالبلاد.

من هنا، تبرز "اتفاقية مكة" ليس كجيش هجومي مستعد لغزو اليمن أو ضرب طهران، بل كشبكة أمان دفاعية صُممت لطمأنة الرياض وحماية أجوائها ومنشآتها النفطية من الداخل فقط. إنها اتفاقية "رد" بالمعنى السياسي، وليست خطة "تطبيق" بالمعنى العسكري الشامل، لأن أطرافها الثلاثة (السعودية، تركيا، باكستان) لا يملكون تعليماً موحداً للعدو؛ فبينما ترى الرياض الخطر في الصواريخ الحوثية، وترى أنقرة الفرصة في عقود السلاح والنفوذ الإقليمي، تظل بوصلة إسلام آباد موجهة حصراً نحو نيودلهي.

إن القول بأن باكستان ستدخل غمار حرب مفتوحة ضد إيران وحلفائها هو قراءة تعزل السياسة عن الجغرافيا والتاريخ. لقد أثبتت التجارب الدولية المريرة، من حرب الثماني سنوات السابقة إلى التدخلات الغربية، أن مستنقع الصراع في اليمن لا يقبل الحلول العسكرية السهلة. والتحذير الباكستاني الحالي، رغم جديته الدبلوماسية، سيبقى سقفاً طائراً لا يملك عجلات للهبوط على أرض الواقع، لأن حسابات البقاء الداخلي لإسلام آباد ستبقى دائماً أبقى وأقوى من أي التزام خارجي.

بناءً على هذه المعطيات والاستنتاجات يمكننا تلخيص المشهد السياسي والعسكري في النقاط الجوهرية التالية:

1. إن الموقف الباكستاني (والتركي) الحالي يندرج تحت ما يُسمى في العلوم السياسية بـ "دبلوماسية حافة الهاوية" والردع النفسي. الهدف هو الضغط على طهران لكبح جماح الحوثيين، وليس إعلان الحرب عليها.

2. لا يمكن لباكستان، علمياً وعسكرياً، أن تحاصر نفسها بعدو ثالث (إيران) وهي تعيش حالة استنفار دائم مع الهند وأفغانستان. الأمن القومي الباكستاني يفرض تصفير المشاكل مع طهران مهما بلغت الضغوط.

3. الـ 50 مليون شيعي في باكستان هم صمام أمان يمنع صناع القرار من الانزلاق إلى أي صراع مع إيران، لأن تكلفة الحرب الأهلية الداخلية ستكون أضعاف تكلفة إغضاب الحلفاء في الخليج.

4. "اتفاقية مكة" تفتقر إلى "العقيدة العسكرية الموحدة ضد عدو مشترك واحد"، فكل دولة من الدول الثلاث تخوض معركتها الخاصة وبأولويات مختلفة تماماً (اقتصادية، أمنية، أو جيوسياسية)، مما يجعل الاتفاقية أداة حماية دفاعية محدودة للمنشآت السعودية وليست حلفاً هجومياً عابراً للحدود.