الرمال لا تخفي الأسرار: كيف تحولت مالي إلى ساحة كسر عظم بين الجزائر وأبوظبي؟
كيف تحولت مالي إلى ساحة مواجهة كسر عظم استراتيجية واقتصادية بين الجزائر وأبوظبي، وما هي دلالات قطع العلاقات بين البلدين؟
بقلم:د. علاء أبوعامر
لم يكن قرار الجزائر بـقطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وحظر مجالهـا الجوي أمام الطائرات الإماراتية، مجرد زوبعة في فنجان السياسة، أو رد فعل عابر على خلاف بروتوكولي؛ بل كان إعلاناً صريحاً عن نفاد مخزون الصبر الجزائري، بعدما تحولت الصحراء الكبرى الممتدة بين الجزائر وجمهورية مالي إلى حقل ألغام يستهدف مباشرة خط الدفاع الأول للأمن القومي الجزائري.
على مدى عقود، عاش البلدان حالة من السلام البارد المحكوم بمسافات الأمان الجغرافية. غير أن الجغرافيا الجافة لا ترحم؛ وحين يتعلق الأمر بحدود برية ملتهبة تجمع الجزائر بمالي على امتداد أكثر من ألف وثلاثمئة كيلومتر، فإن أي رفة جفن في باماكو تترجم فوراً على شكل زلازل أمنية داخل التراب الجزائري. لسنوات طويلة، كانت الجزائر ترى نفسها الأب الشرعي للاستقرار في جارتها الجنوبية، ونجحت بالفعل عام 2015 في صياغة "اتفاق الجزائر للسلام" لتهدئة النزاع بين الحكومة المالية وحركات الطوارق، حارمةً تنظيمات متطرفة مثل "جبهة نصرة الإسلام والمسلمين" التابعة للقاعدة من بيئة خصبة للتمدد.
لكن الرياح في الساحل الأفريقي جرت بما لا تشتهي سفن الجزائر. فمع الانقلاب العسكري في مالي وصعود أسيمي غويتا إلى سدة الحكم بنزعة عسكرية تصادمية، تم تمزيق الاتفاق الجزائري ورميه في سلة المهملات. وفي هذا الفراغ المتشكل، لم تترك أبوظبي الساحة للصدف؛ إذ دخلت بثقلها المالي وخزائنها المفتوحة لتقديم دعم اقتصادي ولوجستي سخي للمجلس العسكري الحاكم في باماكو، مسنوداً بحضور عسكري روسي عبر مجموعات فاغنر. هذا التدفق المالي الإماراتي على حدود الجزائر الجنوبية، اعتبرته الدوائر السياسية والعسكرية في الجزائر محاولة الالتفاف الاستراتيجي الأكبر التي تهدف إلى محاصرة نفوذها التاريخي وتغيير قواعد اللعبة في فنائها الخلفي.
ولم تقف حدود هذه المعركة الصامتة عند حشد السلاح والدعم الميداني في مالي والنيجر، بل تعدتها لتصل إلى معركة "كسر عظام" اقتصادية شرسة تُدار خلف الكواليس؛ فالإمارات لم تكتفِ بالملف الأمني، بل وضعت ثقلها وراء "المبادرة الأطلسية" التي أطلقها المغرب لجذب دول الساحل الحبيسة (مالي، النيجر، بوركينا فاسو) نحو الموانئ المغربية، في خطوة هدفها خنق المشاريع التجارية البرية للجزائر وعزلها عن عمقها الأفريقي.
هذا الحصار الاقتصادي اتخذ شكل حرب معلنة في قطاع الطاقة. فبينما تقاتل الجزائر لإنجاح مشروعها التاريخي "أنبوب الغاز العابر للصحراء" الذي يربط نيجيريا بالنيجر ثم بالجزائر وصولاً إلى أوروبا، تحركت أبوظبي بتمويلات ضخمة لإنعاش المشروع المنافس، وهو "أنبوب غاز نيجيريا-المغرب" الممتد عبر الساحل الأطلسي. وعندما تشابكت خيوط الأمن القومي المباشر للجزائر مع طموحات التمدد المالي الإماراتي العابر للحدود، أدرك صانع القرار الجزائري أن الأمر تجاوز المناوشات المعتادة حول ملفات ليبيا أو الصحراء الغربية أو قضية التطبيع مع إسرائيل، ليصبح تهديداً وجودياً يطوق بلادهم بحزام من النار والضغط الاقتصادي.
إن قرار تجميد العلاقات ومقاطعتها بين الجزائر والإمارات هو صرخة سياسية مدوية أطلقتها الجغرافيا لتؤكد أن الخطوط الحمراء التي كُتبت بالتاريخ والدم لا يمكن محوها ببريق الأموال أو بصفقات النفوذ العابرة. وسواء كان هذا الفراق قطيعة دائمة أم فصلاً مؤقتاً في كتاب الصراعات الإقليمية، فإن الثابت الأكيد هو أن رمال الساحل الأفريقي لم تعد مجرد مساحات منسية، بل غدت مسرحاً لمواجهة كبرى أثبتت فيها الجزائر أن من يملك حقائق الأرض ومفاتيح الجغرافيا، لن يسمح لسطوة المال بإعادة كتابة التاريخ.