مفهوم "إسرائيل" بين سلالة الجسد وميثاق الروح: قراءة تفكيكية في نصوص القرآن والعهدين
ملخص تحليلي يعيد قراءة مفهوم إسرائيل في النصوص المقدسة بعيداً عن النسب البيولوجي العرقي، مستعرضاً أدلة القرآن والعهدين والسامرية لتأكيد هويته كميثاق روحي.
بقلم:د. علاء أبوعامر
تظل الأفكار التقليدية الموروثة حائلاً بين الباحث وبين الحقائق المجردة التي تنطق بها بطون المخطوطات والكتب المقدسة. ومن أكثر هذه المفاهيم التي أصابها داء الدمج والتبسيط التاريخي هو مفهوم "إسرائيل"، إذ جرى العرف والتقليد الشفهي على اعتباره مرادفاً بيولوجياً محضاً للنبي يعقوب بن إسحاق، وجُعلت سلالته عشيرة جينية مغلقة. بيد أن القراءة النصية البنيوية الدقيقة لظاهر النصوص في القرآن الكريم، والعهد القديم، والعهد الجديد، تكشف عن أطروحة مغايرة تماماً، أطروحة تفصل إسرائيل عن الخط البيولوجي المباشر لإبراهيم، وتجعل من هذا اللفظ عنواناً لمنظومة عهد، وتسمية لدين، وهوية روحية وتشريعية تتجاوز حدود الدم والجغرافيا.
حين ننظر في النص القرآني بأدوات علم اللسان وبمعزل عن تفسيرات المتأخرين، نجد دقة بالغة وفرزاً لغوياً واضحاً بين الكيانات البشرية. ففي سورة مريم يقف الباحث أمام آية حاسمة تعتمد المغايرة اللفظية كأساس لبناء المفهوم، حيث يقول النص: "أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل". إن عطف "إسرائيل" على "إبراهيم" بحرف الواو في لغة العرب يقتضي بالضرورة المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، فلو كان إسرائيل هو نفسه يعقوب حفيد إبراهيم لكان السياق البنائي يقتضي الإدراج والتتابع لا العطف المستقل الذي يفصل سلالة إبراهيم عن سلالة إسرائيل. ويتأكد هذا الفصل النصي عند دراسة سياقات "آل يعقوب" و"بني إسرائيل" في القرآن؛ إذ يأتي لفظ يعقوب دائماً محاطاً ببيئة المحراب، والنبوة، والإرث الروحي العائلي المباشر، كما في هبة الولادة والبشارة "فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب"، وكما في خوف زكريا على امتداد الوحي في محرابه "يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا". أما لفظ "بني إسرائيل" فلا يذكر كأفراد عائلة متحابين، بل ككتلة بشرية حضارية، وأمة تخضع لخطاب التكليف، واللوم، والمواثيق الغليظة، كقوله تعالى "يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين"، فهو تفضيل مشروط بمسؤولية الرسالة وليس عرقاً مقدساً بذاته. وثمة إشارة تشريعية باهرة في سورة آل عمران تنص على أن "كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة"، وإذا فتشنا في القصة القرآنية المفصلة ليعقوب في سورة يوسف أو غيرها، فلن نجد أي ذكر أو إشارة لهذا التحريم الشخصي، مما يثبت نصياً أن إسرائيل شخصية تشريعية مستقلة في سياقها التاريخي عن يعقوب بن إسحاق.
هذا التفكيك النصي بين بيت يعقوب وكيان إسرائيل ليس حكراً على القرآن، بل يمتد بجذوره إلى عمق أسفار العهد القديم. وفي المزمور المائة والأربعة عشر نجد تفريقاً بنيوياً لافتاً في قوله: "عند خروج إسرائيل من مصر، وبيت يعقوب من شعب أعجم". يعتمد الشعر في المزامير على نظام التوازي، غير أن التدقيق في الكلمات يظهر ربطاً لافتاً بين بيت يعقوب وبين الخروج من وسط شعب يوصف بأنه "أعجم" أي غريب اللسان، بينما يُربط إسرائيل بالخروج ككيان سياسي وتشريعي. وفي أسفار الملوك والأنبياء، يتجلى هذا الانقسام بوضوح بعد عصر سليمان، حيث تحول مصطلح "إسرائيل" ليعبر عن المملكة الشمالية وعاصمتها السامرة، في مقابل مملكة "يهوذا" الجنوبية وعاصمتها أورشليم. ومن هنا يتضح أن إسرائيل في النص التوراتي (العهد القديم) تحول من دلالة النسب إلى رمز لعهد جغرافي وسياسي وديني محدد، بحيث صار يعبر عن خط عقدي يختلف كلياً عن سكان يهوذا السياسيين.
وعند الانتقال إلى التراث السامري، وهم الذين يطلقون على أنفسهم "شامريم" أي الحافظين للدين الحقيقي الشاهد على جبل جرزيم المقدس، نجد أن أطروحة "إسرائيل" كاسم دين تبلغ ذروتها. ففي التوراة السامرية المكتوبة بالخط الآرامي القديم، لا يعود اسم "إسرائيل" إلى قصة مصارعة ملاك كما تزعم التوراة الماسورتية الشائعة، بل هو لقب صفاتي مشتق من الجزر اللغوي "يشار-إيل" والذي يعني المستقيم مع الله أو صفوة الله. فالإسرائيلي في العرف السامري هو كل من يلتزم بالوصايا العشر وبالمكان الذي اختاره الرب نصاً في كتابهم وهو جبل جرزيم قرب نابلس. وثمة أكثر من ستة آلاف اختلاف نصي بين التورتين السامرية واليهودية الشائعة، تدور جلها حول مركزية المكان المقدس وتعديل الأنساب، حيث يرفض السامريون شرعية "سبط يهوذا" السياسي، ويعتبرون أن سكان القدس انشقوا عن "إسرائيل" الحقيقية منذ زمن الكاهن عالي، مما يعني أن "إسرائيل" تسمية لعقيدة ودين وليست عشيرة جينية تجمعهم باليهود الحاليين.
هذا المفهوم الروحي والديني لـ "إسرائيل" يتطابق بشكل مذهل مع جوهر نصوص العهد الجديد ورسالة عيسى عليه السلام. فعندما أعلن المسيح في إنجيل متى قائلاً "لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة"، لم يكن يوجه خطابه إلى المنظومة الجغرافية أو العرقية لـسكان يهوذا وأورشليم، بل كان يشن حرباً فكرية ضد الحرفية الفريسية، متجاوزاً الجغرافيا ليعيد بناء "بيت إسرائيل الروحي" القائم على الاستقامة والعهد. وتأتي الصياغة اللاهوتية الحاسمة في رسائل بولس الرسول لتضع حداً فاصلاً للنزاع البيولوجي، حيث يقول في رسالته إلى أهل روما بصريح العبارة: "لأن ليس جميع الذين من إسرائيل هم إسرائيليون". هذا النص يقطع بوضوح كتابي لا لبس فيه مع الفكرة العرقية، معلناً أن الهوية الإسرائيلية في جوهر المكتوب هي هوية إيمانية تعتمد على ميثاق الروح، وأن القرابة الجسدية ليعقوب أو لإبراهيم لا تمنح الإنسان صفة الإسرائيلي ما لم يكن مستقيماً مع عهد الله.
إن الانعتاق من أسر التفسيرات التقليدية والعودة إلى منطوق النصوص المقدسة يفتح أمامنا آفاقاً جديدة لفهم التاريخ الديني. فإسرائيل في جوهر الوحي ليس جينات موروثة ولا عصبية عشائرية، بل هو مسار روحي، ومنظومة تشريعية، وعنوان للمستقيمين مع الحق أينما وجدوا، مما يعيد صياغة المفهوم من انغلاق الدم إلى رحابة الإيمان.
إن هذا التحليل البنيوي القائم على ظاهر الكلمات في المخطوطات والكتب يسقط الحجج التي حاولت تحويل الميثاق الإلهي الروحي إلى ملكية عرقية بيولوجية وهمية مفبركة من الخزر والسلاف، ويؤكد أن النص يظل دائماً أوسع وأرحب من قوالب التقليد الشفهي التي صاغها البشر عبر العصور.