رماد التكنولوجيا ورياح الجبل: معضلة المليارات في مواجهة جغرافيا الحروب
يكشف المقال التحليلي عن مفارقة الصراع في باب المندب والجغرافيا اليمنية، مسلطاً الضوء على عجز الترسانات والمليارات أمام حرب العصابات والمسييرات.
بقلم:د. علاء أبوعامر
في الممرات الضيقة لباب المندب، حيث تلتقي أمواج البحر الأحمر بطموحات السياسة الدولية، لا تبدو الحسابات العسكرية كمعادلات رياضية نتيجتها محسومة لمن يملك الرقم الأكبر. هناك، فوق تلك التلال الصخرية وتحت وهج الشمس الحارقة، تتكشف واحدة من أكثر مفارقات التاريخ الحديث غرابة: كيف لترسانة عسكرية مدججة بأحدث ما أنتجته مصانع السلاح الغربية، تدعمها خزائن تتدفق بالمليارات، أن تبحث عن طوق نجاة في تحالفات دولية لمواجهة جماعة نشأت في كهوف صعدة؟
تبدأ القصة من وهم القوة المطلقة. لسنوات طويلة، ساد الاعتقاد بأن التفوق التكنولوجي وامتلاك الطائرات الذكية والصواريخ الموجهة بدقة، كفيل بحسم أي صراع عسكري خلال أسابيع. لكن الجغرافيا اليمنية، بطبيعتها الجبلية الوعرة وجبالها الممتدة كأبراج طبيعية، كانت دائماً مقبرة للخطط التقليدية. في هذه البيئة، يتحرك المقاتل الحوثي كشبح بلا موقع ثابت، معتمداً على استراتيجية الصدمة والترهيب، ومستفيداً من تفكك الجبهات المقابلة له. المليشيات المحلية اليمنية، رغم الدعم المالي الهائل الذي تتلقاه، ظلت أشبه بجزر معزولة، يقاتل كل منها دفاعاً عن نفوذه الخاص أو قضيته المناطقية، دون أن تجمعها عقيدة قتالية موحدة تفك شفرة الصمود الحوثي.
ومع تمدد النفوذ الحوثي وفرض سيطرتهم الفعلية على ممرات الملاحة الدولية، تحولت المعادلة من حرب إقليمية إلى أزمة عالمية. هنا برزت المفارقة الثانية؛ فالسعودية التي أدركت حدود قوتها التقليدية أمام حرب العصابات الهجينة، وجدت نفسها مدفوعة للبحث عن ظهير استخباراتي وتكنولوجي أعمق، متمثلاً في قوى دولية مثل بريطانيا، وحتى عبر قنوات تنسيق غير معلنة مع إسرائيل. لم يكن هذا الطلب للمساعدة اعترافاً بالهزيمة بقدر ما كان إدراكاً بأن الحرب لم تعد "دبابة ضد دبابة"، بل معركة معلومات، وحرب إلكترونية، وتتبع لشبكات تهريب دقيقة، ومحاولة لتقاسم كلفة التصدي لطائرات مسيرة رخيصة الثمن تستنزف منظومات الدفاع الجوي الثمينة.
وفي المشهد اليمني المعقد اليوم، تتسارع التطورات لتعمق من مأساة هذا البلد. فبينما تتجه الأنظار نحو عسكرة البحر الأحمر وتحوله إلى ساحة صراع دولي مفتوح، تعيش المدن اليمنية تحت وطأة انهيار اقتصادي غير مسبوق، وأزمة إنسانية تطحن ملايين الأبرياء. الجبهات الداخلية تشهد حالة من الاستعصاء العسكري، حيث لم تعد لغة السلاح قادرة على تغيير الخارطة بشكل جذري، بينما تتعثر جهود السلام الدبلوماسية أمام الشروط المتبادلة والتعنت المستمر، مما يترك مستقبل البلاد معلقاً بين فوهة بندقية المقاتل وحسابات الدول الكبرى.
إن الدرس الأبرز الذي توجّهه التطورات الأخيرة في اليمن للعالم، هو أن لغة المال والسلاح تظل قاصرة وعاجزة ما لم تسندها حاضنة شعبية وعقيدة واضحة، وفهم حقيقي لطبيعة الأرض والإنسان. لقد أثبتت أحداث باب المندب أن القوة لم تعد تقاس بحجم الميزانيات، بل بالقدرة على التكيف مع واقع جديد تتفوق فيه الطائرة المسيرة البسيطة على المنظومات المعقدة. وفي نهاية المطاف، ستبقى جبال اليمن وشواطئها تذكر الجميع بأن الحروب لا تُحسم من غرف العمليات المكيفة البعيدة، بل تُصنع تفاصيلها على الأرض، حيث تمتزج دماء الأبرياء بطموحات السياسة، بانتظار يوم تضع فيه الحرب أوزارها ليعود اليمن سعيداً كما كان.