رواية وصية الغياب ..من وجع الجسد إلى جرح المكان

بعد قراءتي رواية وصية الغياب للصديق الدكتور علاء أبوعامر، يسعدني أن أقدّم مراجعتي الخاصة لهذا العمل. ففي بداية قراءتي للصفحات الأولى أخبرت الدكتور علاء: "هذه رواية حزينة توجع القلب" وهي فعلًا رواية حزينة عن الحب والمرض والفقد والموت؛ عن امرأة ينهش السرطان جسدها، وزوج يرافقها في رحلة الألم حتى الغياب، ثم يواجه وصيتها وما تتركه في حياته من أثر.

رواية وصية الغياب ..من وجع الجسد إلى جرح المكان
رواية وصية الغياب ..من وجع الجسد إلى جرح المكان
رواية وصية الغياب ..من وجع الجسد إلى جرح المكان

مراجعة نائلة الوعري 

بعد قراءتي رواية وصية الغياب للصديق الدكتور علاء أبوعامر، يسعدني أن أقدّم مراجعتي الخاصة لهذا العمل. ففي بداية قراءتي للصفحات الأولى أخبرت الدكتور علاء: "هذه رواية حزينة توجع القلب" وهي فعلًا رواية حزينة عن الحب والمرض والفقد والموت؛ عن امرأة ينهش السرطان جسدها، وزوج يرافقها في رحلة الألم حتى الغياب، ثم يواجه وصيتها وما تتركه في حياته من أثر.

تأتي رواية "وصية الغياب" ضمن تجربة روائية جديدة ومختلفة سبقتها أعمال للكاتب الدكتور علاء واسعة ومهمه في موضوعاتها وفضاءاتها، تنقّلت بين أمكنة ودراسات تاريخية وسياسية واجتماعية متعددة.

أما في هذه الرواية، فينصرف الكاتب إلى الداخل الإنساني والأسري، وإلى هشاشة حياة الإنسان أمام المرض. فبدلًا من أن يكون الصراع بين أفكار أو قوى سياسية أو روايات تاريخية متعارضة، يصبح داخل جسد امرأة ينهشه السرطان، وداخل قلب زوج يعرف الحقيقة ويحاول تأجيل الاعتراف بها.

تُروى الحكاية بصوت الزوج، وتتابع رحلة هاجر مع المرض منذ عودة السرطان لها بعد فترة ظنت الأسرة أنها تجاوزت فيها الخطر. تبدأ لحظة التحول باتصال الابنة سارة بوالدها في أثناء إلقائه محاضرة، لتخبره بأن أمها تعاني ألمًا شديدًا ولا تستطيع تحريك قدمها. ومن تلك اللحظة ينتقل الراوي من عالم المحاضرات والنظريات والتحليل السياسي إلى عالم المستشفيات والفحوص والأورام والعجز أمام تدهور الجسد. فاستاذ اعتاد تحليل الصراعات وموازين القوى يجد نفسه عاجزًا أمام خلية متمردة داخل جسد زوجته، ولا تعود الألقاب الأكاديمية ولا القدرة على تفسير العالم قادرة على الإجابة عن سؤال بسيط وقاسٍ: كيف يمكن إنقاذ من نحب.

والمدهش ان هذه الحكاية لا تجري في مكان محايد؛ فغزة حاضرة في شوارع الرواية وبيوتها ومستشفياتها وبحرها. يذكر الكاتب حي النصر وشارع عمر المختار وبيت لاهيا ومخيم الشاطئ ومستشفى الشفاء ومقبرة الشيخ رضوان، فتغدو الرواية خريطة لمعالم المدينة، لا حكاية يمكن نقلها إلى أي مكان آخر.

ومن هنا جاءت قراءتي المختلفة؛ إذ وجدت في جسد هاجر المتعب صورةً تحتمل معنى يتجاوز المرض الفردي إلى جرح غزة نفسها. فالسرطان ينهش الجسد من الداخل، فيما ينهش القصف والاحتلال جسد المكان من الخارج؛ وكلاهما يقاوم ما يسعى إلى تدميره. يصبح البيت صورة مصغرة عن الوطن، وتغدو الأم مركز التوازن فيه. وهنا تظهر خبرة الكاتب السياسي بطريقة مختلفة فالسياسة لا تُقدَّم بوصفها تحليلًا، بل أثرًا يقع على الإنسان وجسده وأسرته.

أما البحر، فيتكرر بوصفه شاهداً على الحب والفقد معاً . كان فضاءً للذكريات والمشي والأحلام، ثم أصبح بعد الرحيل مرآة لوجه هاجر الغائب. وهو بحر غزة أيضا. ؛

أفق رحب أمام مدينة محاصرة، ولذلك يحمل حضوره شيئاً من الحرية المستحيلة والحنين المستمر.

تنجح الرواية في نقل شدة الألم وصدق التعلّق بهاجر، ولا سيما في مشاهد انتظار نتائج الفحوص، والعودة إلى البيت من دون الأم، ووداع الأطفال، واللحظات الأخيرة في المستشفى.

كثافة التعبير الوجداني وتكرار صور الوجع والغياب والعبور والنور والعدم تجعل القراءة مرهقة ومتعبة اضطرّتني مرارا ان اترك الصفحات جانبا لبعض الوقت فحضور المرض والعلاج يمتد على مساحة واسعة من السرد الحزين والمستمر من دون فصول او نقاط واضحة تمنح القارئ فرصة للتوقف أو الانتقال إلى نبرة مختلفة.

ومنذ الصفحات الأولى يعرف القارئ أن هاجر غائبة، وتظهر إشارات واضحة إلى مصيرها والوصية التي ستتركها؛ لذلك لا تعتمد الرواية على مفاجأة النهاية، وإنما على الكيفية التي تصل بها الأسرة إلى الغياب، وكيف تستطيع الحياة أن تستمر بعده. كما أن تقديم هاجر في صورة المرأة الكاملة والأم الاستثنائية يجعلها أحياناً رمزاً !! أكثر منها شخصية بشرية متعددة الجوانب؛

وعلى الرغم من هيمنة المرض والموت، لا تنتهي الرواية عند القبر. فالموت فيها انتقال من الحضور الجسدي إلى الحضور في الذاكرة والأطفال والوصية، وتأتي سلوى، الصديقة التي تصبح الزوجة الجديدة، لتجسّد محاولة الأسرة الخروج من الحداد إلى حياة أخرى. وهكذا لا تصبح الوصية دعوةً إلى النسيان، بل محاولةً لحماية ما ينبغي أن يستمر بعد الرحيل.

هذه قراءتي لـ«وصية الغياب»، وقد يراها قارئ آخر قصة حب ووفاء وفقد فحسب. أما أنا فرأيت فيها، إلى جانب ذلك، حكاية جسد وبيت ومدينة تواجه الغياب وتقاومه؛ ورأيت في هاجر وجعًا إنسانيًا يلتقي، من دون تصريح مباشر، مع وجع غزة وذاكرتها المفتوحة.