سراب العبقرية الصهيونية: كيف هندست واشنطن صكوك الغفران لإسرائيل

كيف هندست واشنطن صكوك الغفران لإسرائيل ونزع القشرة اللامعة عن الحقائق التاريخية وكشف دور الإدارة الأمريكية في فرض الكيان الصهيوني.

سراب العبقرية الصهيونية: كيف هندست واشنطن صكوك الغفران لإسرائيل
سراب العبقرية الصهيونية: كيف هندست واشنطن صكوك الغفران لإسرائيل

بقلم:د. علاء أبوعامر 

في أروقة التاريخ المعاصر، تتردد أصداء سردية قديمة، صِيغت بعناية فائقة لتصوير قيام "إسرائيل" واكتسابها للاعتراف الدولي على أنه معجزة دبلوماسية قادتها عقول صهيونية فذة. غير أن نزع هذه القشرة اللامعة عن الحقائق يكشف عن مشهد مغاير تماماً؛ مشهد تتبدى فيه القوة الأمريكية الفتية عقب الحرب العالمية الثانية كمهندس حقيقي، وبلدوزر دبلوماسي، لم يتورع عن استخدام أدوات الابتزاز، والترغيب، والترهيب، لفرض هذا الكيان على خارطة العالم. لم تكن "الشطارة" الصهيونية هي من انتزعت الشرعية، بل كانت الإرادة الاستعمارية الغربية، وعلى رأسها واشنطن، هي من أدارت المذبحة الدبلوماسية خلف الكواليس. 

تبدأ الحكاية في شتاء عام ألف وتسعمائة وسبعة وأربعين، داخل ردهات الأمم المتحدة بمدينة نيويورك. كانت كفة التصويت على قرار تقسيم فلسطين تميل نحو الرفض، وكان المشروع الصهيوني مهدداً بالولادة ميتاً. هنا، تدخلت إدارة الرئيس الأمريكي هاري ترومان بكل ثقلها الإمبراطوري، وتحولت الدبلوماسية إلى ساحة للي الذراع والابتزاز الفج. أرسلت واشنطن مبعوثيها وتهديداتها المبطنة والصريحة إلى الدول الصغيرة والضعيفة. هُددت دول مثل هايتي وليبيريا بقطع المساعدات المالية الحيوية وإطباق حصار اقتصادي خانق عليها إن هي تجرأت وصوتت ضد القرار. وفي الليلة الأخيرة قبل التصويت، استُدعي سفير الفلبين في واشنطن ليُبلّغ صراحة بأن أموال إعادة إعمار بلاده المدمَّرة جراء الحرب العالمية الثانية ستتبخر فوراً ما لم تغير مانيلا موقفها، وهو ما انصاعت له مرغمة في الساعات الأخيرة. حتى فرنسا، الدولة الكبرى المثقلة بجراح الحرب، خضعت للابتزاز الأمريكي بعد التلويح بحرمانها من أموال مشروع مارشال الإنقاذي إن لم تسِر في الركب. هكذا، وُلد القرار بضربات مطرقة التهديد الأمريكي، لا ببراعة المفاوض الصهيوني. 

ولم تكد تمضي سنوات قليلة حتى التفتت واشنطن نحو الشرق الأوسط، مستغلة مناخ الحرب الباردة وشبح الشيوعية السوفيتية المتمدد لتوسيع رقعة الاعتراف بالكيان الاستعماري العنصري الإحلالي الجديد. كانت تركيا تعيش في تلك الآونة رعباً حقيقياً من الأطماع السوفيتية على حدودها، وتبحث بلهفة عن مظلة أمنية تقيها هذا الخطر. التقطت الولايات المتحدة هذه الحاجة الوجودية، ووضعت شرطاً صارماً لا يقبل التأويل: على أنقرة دفع "ثمن مقدم" يثبت ولاءها الكامل للمنظومة الغربية قبل أن يُسمح لها بالدخول إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو). وكان هذا الثمن هو الاعتراف بدولة "إسرائيل". وتحت وطأة هذا الابتزاز الأمني، أصبحت تركيا في عام ألف وتسعمائة وتسعة وأربعين أول دولة ذات غالبية مسلمة تعترف بالكيان الصهيوني، ليعقب ذلك فتح بوابات الناتو لها عام ألف وتسعمائة واثنين وخمسين. وفي السياق ذاته، كانت إيران الشاه تسير في المسار المرسوم نفسه؛ فبعد أن أطاحت المخابرات الأمريكية بالتعاون مع البريطانية بحكومة محمد مصدق الوطنية عام ألف وتسعمائة وثلاثة وخمسين، بات عرش الشاه محمد رضا بهلوي معلقاً بحبال الدعم الأمريكي. أبلغت واشنطن الشاه بصيغة واضحة أن استمرار حماية نظامه وتدفق السلاح لعرشه مشروطان بالدخول في تحالف أمني ودبلوماسي خفي مع تل أبيب، فتحولت طهران في عهده إلى حليف استراتيجي وتجاري للكيان الصهيوني تحت وطأة الحاجة للبقاء. 

وتكرر المشهد التاريخي نفسه بفجاجة أكبر مع مطلع التسعينيات حين انهار المعسكر الاشتراكي وتفكك الاتحاد السوفيتي. وجدت دول أوروبا الشرقية الناشئة، كبولندا والمجر ورومانيا ودول البلطيق، نفسها في عراء اقتصادي وأمني، تبحث عن اعتراف أمريكي يمنحها الشرعية، وعن قروض من البنك الدولي لإنقاذ اقتصاداتها المنهكة. هنا، أشهرت الإدارة الأمريكية ورقة الابتزاز القديمة ذاتها، ووضعت شرطاً سياسياً غير قابل للنقاش: لن تنال أي من هذه الدول الاعتراف الدبلوماسي الأمريكي، ولن تُفتح لها خزائن الدعم المالي الغربي، ولن تحلم بالانضمام للمنظومة الأوروبية، قبل أن تقيم علاقات دبلوماسية كاملة مع "إسرائيل" وتفتح سفاراتها في تل أبيب. وتحت ضغط الجوع والحاجة والأمل في غد أفضل، سارعت تلك العواصم لتقديم صكوك الولاء لواشنطن عبر البوابة الصهيونية. 

واليوم، لا يبدو أن شيئاً قد تغير في جوهر هذه السياسة الإمبراطورية، سوى العناوين والأشخاص؛ إذ يستمر الابتزاز المعاصر بصور جديدة تستهدف قلب العالم العربي عبر ما سُمي باتفاقيات أبراهام. ويتجلى هذا بوضوح في الموقف الأمريكي الراهن تجاه المملكة العربية السعودية. تسعى الرياض، في إطار تطلعاتها المستقبلية، للحصول على برنامج نووي مدني يتضمن تخصيب اليورانيوم على أراضيها، إلى جانب توقيع معاهدة دفاعية أمنية ملزمة مع واشنطن لحماية أمنها الاستراتيجي. لكن واشنطن، ووفاءً لدورها التاريخي كحارس للمشروع الصهيوني، رفعت في وجه الرياض الشرط عينه: لن تمنح الولايات المتحدة السعودية التكنولوجيا النووية، ولن توقع معها أي اتفاقية أمنية تحمي مستقبلها، إلا إذا خطت الخطوة الكبرى المتمثلة في الاعتراف والتطبيع الكامل مع "إسرائيل". إنه المشهد ذاته يتكرر، حيث ترهن القوة العظمى مصالح حلفائها الحيوية وأمنهم القومي لصالح تثبيت كيان غريب في المنطقة. 

إن هذه الحقائق التاريخية المتواترة، الممتدة على مدى ثمانية عقود من الزمن، تطيح تماماً بأسطورة "الذات الصهيونية العصامية" التي بنت نفسها وتمددت بذكائها. إنها تكشف بوضوح وجلاء أن "إسرائيل" ليست سوى مشروع وظيفي، بذرة استعمارية زرعها الغرب وتعهدتها الولايات المتحدة بالرعاية والحماية والترهيب. لقد كانت واشنطن، ولا تزال، هي المطرقة الثقيلة التي تكسر بها المنظومة الغربية إرادة الدول وسيادتها، مستغلة أزماتها الاقتصادية، ومخاوفها الأمنية، وطموحاتها التنموية، لإجبارها على منح الشرعية لكيان غاصب لفظه محيطه الطبيعي، وتأباه الضمائر الحية للشعوب الحرة حول العالم، ليبقى هذا الاعتراف الدولي مجرد واجهة زائفة صُنعت في غرف واشنطن المظلمة بقوة السطوة لا بقوة الحق.