أنامل الطين والزيتون: سليمان منصور يترجّل عن "جمل المحامل"
رحيل الفنان التشكيلي الفلسطيني الكبير سليمان منصور صاحب اللوحة الخالدة جمل المحامل ومسيرته الطويلة في توثيق الهوية باللون والطين.
بقلم:د. علاء أبوعامر
في غفلة من غبار الوقت، ترجّل الفارس الذي لم تكن ريشته سوى معولاً يحرث به في ذاكرة الأرض. رحل سليمان منصور، تاركاً خلفه بلاداً رسمها قبل أن تراها عيون بعض أبناء شعبه في الشتات، ووطناً جفّف صلصاله بدموع الصبر حتى استوى لوحةً لا تقبل المحو. رحل الرجل الذي لم يستعر ألوانه من مصانع الغرب، بل عصرها من حبات الزيتون، وعجنها بتراب القرى المهجّرة، وضفّرها بخيوط الأثواب التي ترتديها الأمهات في انتظار العودة.
لأكثر من نصف قرن، كان سليمان منصور يمارس طقس الصمود باللون والشكل. حين حاصره الاحتلال ومنع عنه الألوان، لم ينكسر؛ التفت إلى الأرض، إلى الأم الرؤوم، فأخذ من طينها وقهوتها وحنائها أصباغاً، وكأنه يقول: "من ترابنا نصنع بقاءنا". كانت لوحاته تولد من رحم الطمي، ثقيلة، ناتئة، تشبه تجاعيد وجوه الفلاحين الذين أكلت الشمس من ملامحهم ولم تأكل من عهدهم.
في أشهر أيقوناته "جمل المحامل"، لم يرسم منصور مجرد عجوز يحمل القدس على ظهره؛ بل رسم الوجدان الفلسطيني في أدق تجلياته. ذلك العجوز المنحني تحت ثقل الأسرار والمقدسات، لم يكن يشكو، بل كان يسير بخطى واثقة نحو فجر يعرف أنه آتٍ. تحولت تلك اللوحة من قماش ملوّن إلى رمز وطني يزين بيوت اللاجئين في المنافي، والخيام، والمدن البعيدة، لتكون جواز سفر روحي يربط شتات القلوب بالقدس العتيقة.
لم يكن سليمان مجرد فنان تشكيلي، بل كان مؤرخاً بصيرياً وصياداً لجماليات الهوية الحية. في لوحاته، تجد المرأة الفلسطينية واقفة كأشجار السنديان، والبيوت الحجرية متراصة ككتيبة تحرس التاريخ، والقرى التي حاولوا طمسها تنهض من عتمة النسيان لتفرض حضورها الطاغي على القماش. لقد جعل من الفن خط دفاع أول، ومعركة وعي لا تقل شراسة عن بندقية المقاتل.
اليوم، يغلق سليمان منصور مرسمه الأخير، ويسلّم الريشة للأرض التي أحبها. يرحل الجسد وتطوى سنين العمر، لكن "جمل المحامل" لن يسقط الحمولة، وأشجار الزيتون في لوحاته ستبقى خضراء عصية على الجفاف. وداعاً يا حارس الحكاية البصرية، ويا من نقشت فلسطين في وعي العالم بحبّات العرق وعشق الطين؛ نم قرير العين، فمن ترك خلفه وطناً مرسوماً بالصلصال والروح، لا يطويه الغياب، بل يخلد ما دامت الأرض تنطق باللغة العربية.