إيقاع الطين وصلاة المطر: قصة الدبكة من معابد كنعان إلى جبال الشام
القصة التاريخية للدبكة الفلسطينية وتطورها من طقوس كنعانية قديمة لطلب المطر إلى تراث ثقافي وفلكلوري عريق في بلاد الشام.
بقلم:د. علاء أبوعامر
على هذه الأرض، وقبل أن يدوّن التاريخ أولى سطوره، كان الجسد البشري في فلسطين يترجم نبض التراب إلى لغة لا تفهمها سوى السماء. لم تكن ضربات الأقدام على الأرض قديما مجرد رقصة عابرة أو تعبير عن بهجة لحظية، بل كانت ترتيلة جسدية صامتة، وصلاة دينية ضاربة في عمق الهوية الكنعانية الأولى. في تلك الأزمنة السحيقة، وقف الإنسان الكنعاني في أريحا، والقدس، ويافا، موجها وجهه شطر القوى الغيبية، يطلب الخصب، ويستجدي المطر، ويمجد إله القمر الذي وهب الأرض توازنها، فكانت الولادة الأولى لما يُعرف اليوم بالدبكة الفلسطينية (الماجدي، 2018).
تبدأ الحكاية من شكل الحلقة النصف دائرية التي يصطف فيها الدبيكة في وقتنا الحاضر؛ هذا التشكيل الجسدي لم يكن وليد الصدفة، بل كان محاكاة طقسية دقيقة لدورة القمر عند الكنعانيين القدامى. ففي مطلع الشهر، كان المتعبدون يجتمعون على شكل هلال ناقص، ومع انتصاف الشهر واكتمال البدر، كانت الحلقة تلتحم لتصبح دائرة كاملة، في إشارة إلى دورة الحياة والتجدد العبادي (علاونة، 2018). ولم تكن خبطة القدم القوية على الأرض سوى تعويذة مقدسة لطرد الأرواح الشريرة وتنبيه الأرض لتبث الحياة في بذورها، مستلهمة من ميثولوجيا الإلهة عناة وهي تضرب الأرض حزنا على بعل لتستحث قوى الخصوبة على النهوض من جديد.
ومع تبدل العصور وتوالي الحضارات، خرجت الدبكة من أروقة المعابد الكنعانية لتسكن في تفاصيل الحياة اليومية للريف الفلسطيني. تحول الطقس التعبدي إلى فعل تعاوني يُعرف بالعونة، حيث كان الأهالي يتنادون لرصّ أسطح بيوتهم الطينية وتثبيتها بأقدامهم قبل هطول أمطار الشتاء، محولين الجهد الشاق إلى غناء جماعي متزن الإيقاع. من هذا التلاحم العضوي بين الإنسان والتراب، ولدت ألحان الدلعونا، والزغاريد، وظريف الطول، لتصبح الدبكة حارسة الذاكرة الشعبية والدرع الثقافي الذي يتوارثه الأبناء عن الأجداد (بدوان، 2022).
هذه الأصالة الفلسطينية الخالصة للدبكة وتفرعاتها الفلكلورية حظيت باعترافات واسعة من قامات فنية عربية كبرى واكبت تطور الموسيقى في الشرق.
ولعل أبرز هذه الشهادات ما وثقه الموسيقار اللبناني الراحل ملحم بركات في أحاديثه الإعلامية، حيث أكد بوضوح قاطع أن أصل الفلكلور الغنائي والراقص المتمثل في الدبكة، والميجانا، والدلعونا، والزلف، إنما نبع بالأساس من فلسطين وجاء منها (حجازي، 2016). وأوضح بركات أن هذا الإرث الفني الغني انتقل تاريخيا من فلسطين إلى لبنان، ومنه امتد إلى سوريا والعراق وبقية أجزاء بلاد الشام، مستشهدا بتزكية الفنان الكبير زكي ناصيف لرأيه هذا، ومشيرا إلى أن لبنان لم يكن يعرف قبل وصول هذا المد الفلكلوري الفلسطيني سوى الموال البغدادي، حتى جاء الأخوين رحباني في خمسينيات القرن الماضي وأعادا صياغة هذا الموروث الوافد (بركات، 2016).
إن الدبكة الفلسطينية ليست مجرد حركات استعراضية، بل هي وثيقة تاريخية حية منقوشة بأقدام الأجيال على صدر الأرض. لقد بدأت كصلوات كنعانية قديمة تناجي الآلهة والمطر، ثم تحولت إلى أداة بناء وتكافل في الريف، لتستقر أخيرا كرمز للهوية القومية المقاومة للمحو.
وحين تدق الأقدام الأرض اليوم على أنغام اليرغول والمجوز، فإنها لا ترقص ترفا، بل تعيد إحياء العهد الماضي المتجذر الذي يربط الإنسان الفلسطيني بترابه، مؤكدة أن الجذور التي بدأت في معابد كنعان وامتدت لتظلل جبال الشام وسهولها، ستبقى عصية على النسيان والانكسار.