الطريق المنسي من برية بيت المقدس إلى فجر الرسالة: قصة الناصريين والأبيونيين واللقاء مع الأحناف
القصة التاريخية المنسية للناصريين والأبيونيين، ورحلة هجرتهم من برية بيت المقدس وجليل العرب إلى شرق الأردن والجزيرة العربية، ولقائهم بالأحناف تمهيداً لفجر الرسالة.
الطريق المنسي من برية بيت المقدس إلى فجر الرسالة: قصة الناصريين والأبيونيين واللقاء مع الأحناف
بقلم: د. علاء أبوعامر
بدأت الحكاية قبل بزوغ فجر المسيحية بقرون، وتحديداً في شعاب القدس وبرية الأردن، حيث عاشت "فرقة أبيا" اللاوية الهارونية. كانت هذه الفرقة، المذكورة في الأسفار القديمة كواحدة من الفرق الكهنوتية المكلفة بخدمة بيت الرب، حارسة لتعاليم موسى الصافية ورموزها الموسوية الأصلية. تمسكت فرقة أبيا بالطهارة الشريعتية الحرفية، بعيداً عن أي تدنيس سياسي في "بيت المقدس" أو "معبد هيرودس الأدومي العربي". ومن الخطأ الفادح والخلط التاريخي الشائع وصف هذه الفرقة أو التعاليم التي ناصرتها بـ "اليهودية"؛ فاليهودية كمصطلح ديني وفقهي مؤسس على التلمود وسلطة الحاخامات لم تظهر ولم تتبلور كديانة مستقلة إلا في القرن الخامس الميلادي وما بعده. كما أن استخدام كلمة "هيكل" هو فبركة كنسية ويهودية متأخرة لا وجود لها في أي نقش أو وثيقة أثرية معاصرة لتلك الحقبة؛ فالكلمة في أصلها سومرية (É-GAL) وأكادية (Égallu) تعني "البيت الكبير" أو القصر الملكي، ولم تُستخدم سامياً في الشعر الجاهلي إلا لوصف صوامع الرهبان المرتفعة والمشيدة على التلال. إن ما كان قائماً آنذاك هو إرث بني "إسرائيل" الموسوي الأصيل وصراع الهوية والوفاء للشريعة الأولى هذا من ناحية من ناحية أخرى يعتقد السامرة أن ديانة موسى لم تكن "اليهودية" بل "الإسرائيلية" وهذا يجعل كلمة "إسرائيل" و"إسرائيلي" تسمية لديانة وليس لقبيلة وعشيرة بيولوجية وهم يعتبرون أنفسهم المحافظ الحقيقي عليها وهذا أمر أرى انه صحيح والههم هو إيل لا يهوه وكلاهما الهان عربيان شماليان لكن القرآن يؤكد ان دينهم كان الإسلام.
من الرحم الكهنوتي إلى الحركة العيسوية
من هذا الرحم الكهنوتي المشبع بروح الطهارة والانتظار، نبتت الحركة العيسوية المبكرة بقيادة "عيسى" في ربوع فلسطين وتحديداً في منطقة الجليل، التي عُرفت تاريخياً وبحسب الجغرافي الشهير سترابو باسم "جليل العرب" نظراً للاختلاط السكاني والقبلي العربي الكثيف فيها منذ القدم. إن قيادة الحركة باسم "عيسى" هو ما أكدته بشكل قاطع الآثار والنقوش الصفائية المكتشفة شرق الأردن وبادية الشام، مثل نقش وادي الخضري الذي يعود لقرون قبل الإسلام ويوثق استغاثة صريحة بلفظ (هـ ع س ى) أي "يا عيسى انصره على الذين يكفرون بك". هذا الكشف الأثري يبرهن على أن اسم "عيسى" هو اللفظ المشرقي العربي الشمالي الأصيل المشتق من الجِذر (ع ي س) الذي يعني في اللسان العربي الجمل الأبيض الناصع والبر والصفاء والنبل، وهو اللفظ الذي أفرزه اليونانيون لاحقاً وصاغوه بلفظ "عيسوس" (Iesous) تماشياً مع قواعد الأغرقة التي تسقط حرف العين السامي وتضيف سين الرفع الإلزامية في النهاية. أما لفظ "يشوع" أو "يسوع" فما هو إلا تركيب لاهوتي متأخر (يهوه + شوع)؛ حيث "يهوه" هو الإله العربي الشمالي الموثق في النقوش المصرية القديمة لـ "شاسو يهوه" (بدو العرب في مدين وأدوم)، بينما "شوع" هي لفظة استعارتها السريانية الكنسية المتأخرة—والتي هي لغة هجينة تختلف عن الآرامية المشرقية الغربية القريبة من النبطية والعربية الشمالية—لكنها تحمل مصدراً عربياً مشرقياً يعود لجذر (ش ي ع) أو (ش وع) الذي يفيد الاتساع والنصرة والمشايعة.
يعقوب البار وانقسام الجماعة الأولى
وبعد رفع المسيح عيسى، تولى شقيقه يعقوب البار، المعروف تاريخياً بـ "أخا الرب"، قيادة جماعة القدس الأولى. لم تكن هذه الجماعة ديناً جديداً، بل كانت امتداداً عيسوياً موسوياً نقياً. لكن سرعان ما انقسم أتباع هذا الطريق إلى فرقتين فلسطينيتين رئيسيتين نتيجة للظروف السياسية والاجتهادات اللاهوتية: الناصريين والأبيونيين ولا يمكن وصف الفرقتين بالمسيحيتين ابداً فالمسيحية هي ديانة انشأها بولس في انطاكية (سفر أعمال الرسل (الإصحاح الحادي عشر)، وفي رسالة غلاطية (الإصحاح الثاني). وتختلف جذريا عن هاتين الفرقتين وما يجمعها أنها تعتقد أن معلمها هو المسيح بالنسبة للناصريين والابونيين بينما ترفعه المسيحية إلى درجة إله يتساوى مع "الاب" والروح القدس "جبرائيل" في الثالوث.
الناصريون والأبيونيون: ملامح الاختلاف والتقارب
عاش الناصريون كتيار فلسطيني محافظ تقليدي، فآمنوا بمعجزة الولادة العذرية للمسيح عيسى وتمسكوا بالناموس الموسوي التقليدي من ختان وطهارة غذائية دون غلو، وكانوا أقرب المقربين ليعقوب البار وتلاميذ المسيح في القدس وفي عموم فلسطين.
أما الأبيونيون، وهم فرقة فلسطينية أخرى نشأت في البيئة الجغرافية ذاتها، فقد اتخذوا مساراً أكثر تزمتاً ومادية وجفافاً؛ إذ أنكروا الولادة العذرية واعتبروا عيسى ابناً بيولوجياً طبيعياً ليوسف ومريم، نال رتبة المسيح بالتبني والامتحان الإلهي يوم معموديته في نهر الأردن لما أبداه من طاعة مطلقة للناموس في حياته. وغرق الأبيونيون في طقوس طهارة غاية في الصرامة، ففرضوا الاغتسال بالماء البارد عدة مرات يومياً، وحرّموا أكل اللحوم تماماً، وعاشوا حياة زهد وفقر اختياري، وهو ما جعلهم يرفضون دعوة بولس الرسول المنفتحة على اليونانيين والرومان ويعتبرونه عدواً لناموس موسى.
إذا نظرنا بعين الإنصاف التاريخي لنحدد أيهما كان الأقرب إلى فكر عيسى وعقيدة أخيه يعقوب البار وكذلك سمعان الصفا، سنجد أن الناصريين هم أصحاب السهم الأوفر. فالمسيح عيسى ويعقوب وسمعان الصفا، لم يدعوا قط إلى إنكار المعجزات أو تجريد النبوة من أبعادها الغيبية كما فعل الأبيونيون، وفي الوقت ذاته، لم يتخلوا عن الشريعة الموسوية كما فعل بولس لاحقاً. كان لاهوت الناصريين يجمع بين الإيمان بمعجزة الروح والتزام أحكام موسى، وهو السيناريو الذي عاشت عليه جماعة القدس العيسوية الأولى تحت رعاية يعقوب البار قبل أن تعصف بها رياح الحرب العاتية.
خراب الهيكل والهجرة الكبرى نحو شرق الأردن
لكن جاءت نقطة التحول الكبرى في عام سبعين للميلاد، عندما حاصر الرومان القدس ودمروا معبد هيرودس الأدومي العربي (بيت الرب) بالكامل. في تلك اللحظات الرهيبة، تذكرت هاتان الفرقتان الفلسطينيتان نبوءات المسيح عيسى عن خراب المدينة، ففروا نجاة بإيمانهم مستخدمين المسالك البرية منطلقين من الجليل وفلسطين نحو شرق الأردن وحوران، وامتدت هجرتهم عبر الأجيال نحو شمال بلاد العرب وجزيرة العرب، هرباً من بطش الرومان أولاً، ومن ملاحقة الكنيسة البيزنطية الرسمية التي اعتبرتهم هراطقة لاحقاً. وفي هذا العام ذاته أنشأت المسيحية في انطاكيا التي تبنها بيزنطة بعد أن وأمت بينها وديانة "ميثرا الفيدية" وعقائد اليونان والرومان.
اللقاء الكبير مع الأحناف في واحات الجزيرة العربية
في واحات الجزيرة العربية وفيأفيها، التقى هؤلاء المهاجرون من ناصريين وأبيونيين بالتيار الفكري الأصيل لأحناف العرب. كان الأحناف يمثلون بقية الملة الإبراهيمية النظيفة التي رفضت عبادة الأصنام والأوثان القرشية وتطلعوا إلى التوحيد الخالص. وجد الناصريون والأبيونيون في الأحناف بيئة حاضنة، ووجد الأحناف في كتب هؤلاء الفلسطينيين المهاجرين (وما يحملونه من اناجيل) أثاراً من علم النبوة الأولى والناموس النقي.
التقى الجميع على أرضية فكرية واحدة، وعقيدة مشتركة جوهرها التوحيد المطلق، والتمسك بالختان، وأحكام الطهارة، والنفور من التجسيد اللاهوتي البيزنطي. والأهم من ذلك كله، هو أن هذا اللقاء التاريخي أثمر حالة من الانتظار المشترك والترقب الساخن؛ فقد كان الجميع، من أحناف العرب وبقايا العيسويين الموسويين القادمين من فلسطين وجليل العرب، يقرؤون في أسفارهم وتباشيرهم عن قرب خروج "الرسول العربي" الخاتم، النبي الأمي الذي سيخرج من تهامة ويبعث بمكة ليجدد ملة إبراهيم ويضع عن البشر آصارهم والأغلال التي كانت عليهم.
المصب النهائي: شمس الإسلام وفجر الرسالة
لم يكن مصير الفرقتين الفلسطينيتين الناصرية والأبيونية الفناء التام، بل كان ذوباناً طبيعياً وانتقالاً حتمياً إلى النهر الأكبر الذي انتظرتاه طويلاً. عندما أشرقت شمس الإسلام وصاحبها الرسول العربي محمد ﷺ بالتوحيد الخالص، وجد بقايا هؤلاء العيسويين في دعوته المصب النهائي لرحلتهم الطويلة؛ فالمسيح عيسى في الإسلام هو كلمة الله ومريم عذراء طاهرة كما آمن الناصريون، والشريعة جاءت بالختان والطهارة والتوحيد الصارم كما رغب الأبيونيون والأحناف. وهكذا، تحولت براري شرق الأردن وجزيرة العرب من ملجأ للمطاردين إلى مهد استقبل، بقلوب مؤمنة، فجر الرسالة الخاتمة التي بشر بها الأنبياء من قبل.
ملاحظة: هذا المقال مقتبس من كتاب اعمل عليه بعنوان "أخت هارون وسر الحلقة المفقودة" وأود هنا أن أنوه أن تناولي لهذه المواضيع لا علاقة له بإيمان أحد أو عقائد أحد التي احترمها بل اتناولها كأحداث تاريخية فلسطينية عربية مشرقية فقط وإذا اعتبر أحد ذلك ما أن ما أقوم به نبشاً دينيا فإن ذلك من متطلبات البحث لا أساسه الذي انطلقت منه.