بيارات يافا لا تكذب: حكاية الأرض التي كانت تنبض بالحياة قبل أن يسرقوا ظلها

بيارات يافا لا تكذب حكاية الأرض المروية بعرق أصحابها الأحقاء وتاريخ البرتقال الشموطي وشاهد حي على النكبة والصمود الفلسطيني

بيارات يافا لا تكذب: حكاية الأرض التي كانت تنبض بالحياة قبل أن يسرقوا ظلها
بيارات يافا لا تكذب: حكاية الأرض التي كانت تنبض بالحياة قبل أن يسرقوا ظلها

بقلم:د. علاء أبوعامر 

في البدء، لم تكن فلسطين مجرد مساحة جغرافية تنتظر من يكتشفها، ولم تكن أرضاً قاحلة يغلفها الصمت في انتظار معجزة عابرة من وراء البحار. قبل خريف عام ثمانية وأربعين، كانت هذه البلاد قصيدة ممتدة من الحياة والنشاط، مجتمعاً حياً يغزل مستقبله بيديه، ويبني مداميك نهضته عرقاً بعد عرق، تحت شمس العهد العثماني المتأخر وظلال الانتداب البريطاني.

لو وقفت في ذلك الزمن على رصيف ميناء يافا، لملأت رئتيك برائحة البرتقال الذهبي، ذلك الذي سمي باسم المدينة وصار علامة مسجلة في أسواق لندن وباريس. لم تكن تلك البيارات مجرد أشجار نبتت بالصدفة، بل كانت ملحمة صاغها الفلاح والمستثمر الفلسطيني، الذي طوّر أنظمة الري، واعتنى بالتربة، وأسس جمعيات المصدرين العرب التي كانت تدير تجارة عابرة للقارات، وتضخ ملايين الصناديق سنوياً إلى قلب أوروبا. لم تكن طفرة يهودية، بل كانت عافية الأرض وأهلها.

ولم تكن حركة البلاد معزولة عن إيقاع العصر؛ فصوت قطار الشرق كان يئن قادماً من دمشق، ممتداً عبر سكة حديد الحجاز، ليربط حيفا والقدس بشبكة الشرايين العربية والدولية. وفي حيفا، كان الميناء يضج بالحركة، والعمال يعيدون صياغة وجه المدينة الاقتصادي بكفاحهم اليومي، في حين كانت المدن الأخرى مثل نابلس تغمر الأسواق بصابونها النابلسي الشهير، وتغزل المجدل نسيجها وتطريزه الذي يحكي قصة حضارة أصيلة ومستقلة.

وعندما أراد المجتمع أن يحمي عرقه وجهده، لم ينتظر هبة من أحد؛ بل نهض رجالات فلسطين ليؤسسوا "البنك العربي" في القدس عام ثلاثين وتسعمائة وألف. قاد هذه الخطوة عقول اقتصادية فذة كأحمد حلمي عبد الباقي وعبد الحميد شومان، ليكون قلعة مالية وطنية تحمي الأرض وتمول الأحلام العربية، في إشارة بالغة على نضج الوعي المؤسسي الذي سبق قيام دولة الاحتلال بعقود.

هذا الحراك الاقتصادي لم يكن ليمضي دون عقل يوجهه وثقافة تحميه. في المقاهي والبيوت، كانت الصحافة الفلسطينية تولد قوية وعميقة؛ فجريدتا "فلسطين" و"الدفاع" لم تكونا مجرد حبر على ورق، بل كانتا مرآة لمجتمع مثقف، يقرأ السياسة، ويناقش الأدب، ويواكب العالم. وفي الوقت نفسه، كانت الكلية العربية في القدس، إلى جانب بلديات المدن الكبرى، تخرج أجيالاً من القادة والمفكرين والأطباء والمصرفيين، لتدير بلاداً كانت مؤهلة تماماً لإعلان دولتها الحديثة بسواعد أبنائها.

ثم جاء العام المشؤوم، عام ثمانية وأربعين، ولم تكن الدولة التي أعلنتها الحركة الصهيونية نتاج بناء من الصفر، بل كانت عملية "سطو مسلح" على وطن جاهز. لقد ورث القادمون الجدد مداميك حضارة شيدها الفلسطينيون؛ استولوا على بيوت يافا وحيفا والقدس الفارهة، وسكنوا مدناً وقرى بكامل طرقها ومطاراتها كمطار اللد، ومحطات تكرير نفطها، وشبكات مياهها. لم يكن الانتعاش اللاحق معجزة اقتصادية ذاتية، بل كان نتيجة مباشرة لتطهير عرقي، صادر الأرض والبيارة والمصنع والمصرف، وغطى وجه السرقة بدعم مالي خارجي هائل وقروض استعمارية.

إن التاريخ لا يمحى بجرة قلم أو بروباغندا زائفة. لقد كانت فلسطين تضج بالحياة، والتطور، والأمل، ولم تعمِ الأموال قلب أحد، بل إن سارقي الأرض هم من حاولوا إعماء عيون العالم عن الحقيقة. وستبقى بيارات يافا، وجدران القدس، وحكايات الأجداد الشاهد الأكبر على أن هذه الأرض كانت لأهلها، وبأيدي أهلها نمت وازدهرت، قبل أن يسرق العابرون ظلها.