تفكيك الوهم: كيف تحولت البراغماتية السياسية للأمويين إلى "مسيحية مبكرة" في مخيلة الاستشراق التعديلي؟
دراسة نقدية تفكك فرضيات الاستشراق التعديلي حول تحويل البراغماتية السياسية للأمويين إلى مسيحية مبكرة وتبرز استقلال الهوية الإسلامية.
بفلم: د. علاء أبوعامر
شهدت العقود الأخيرة صعود موجة من الدراسات الاستشراقية التي تُعرف بـ"المدرسة النقدية التعديلية" في التاريخ الإسلامي. حاولت هذه المدرسة، عبر رموز مثل كارل هاينز أوليغ وفولكر بوب، إعادة قراءة نشأة الإسلام والقرون الهجرية الأولى خارج سياق الرواية الإسلامية التقليدية. ولعل واحدة من أكثر الفرضيات إثارة للجدل والغرابة، هي تلك التي تزعم أن الخليفة معاوية بن أبي سفيان وسلالته الأموية لم يكونوا مسلمين بالمعنى المعروف اليوم، بل كانوا يتبعون طائفة مسيحية شرقية (آريوسية أو نسطورية)، وأن الإسلام كدين مستقل لم يتبلور إلا في عهد عبد الملك بن مروان.
تستند هذه النظرية التشكيكية إلى مجموعة من الآثار والمظاهر التاريخية التي سادت في العصر الأموي الأول، وحاولت تأويلها بطريقة تنزع الهوية الإسلامية عن مؤسس الدولة الأموية.
أولى هذه الركائز هي "المسكوكات والعملات المبكرة". يلاحظ أصحاب هذه النظرية أن الدنانير والدراهم التي سُكت في عهد معاوية في الشام وإيران كانت امتداداً مباشراً للقوالب البيزنطية والساسانية، فاحتوت على صور لملوك يمسكون بصلبان، أو رموز دينية مسيحية وفارسية. ورأوا في بقاء هذه الرموز دليلاً على العقيدة المسيحية للحاكم.
أما الركيزة الثانية فهي النقوش الأثرية، وأبرزها "نقش حمام جادارا" في أم قيس بالأردن. يعود هذا النقش اليوناني إلى عهد معاوية، ويستهل بـعلامة الصليب، بينما يصف معاوية بأنه "عبد الله وأمير المؤمنين". وقد اعتبر التعديليون هذا المزج بين اللقب الإسلامي ورمز الصليب برهاناً ملموساً على مسيحية السلطة.
وتكتمل أركان الفرضية بالنظر إلى الطبيعة الاجتماعية والسياسية للبلاط الأموي؛ فقد استوطن معاوية الشام ذات الأغلبية المسيحية، وتزوج من ميسون بنت بحدل الكلبية، وهي امرأة مسيحية من قبيلة كلب القوية، وعيّن في ديوان ماله سرجون بن منصور (والد القديس يوحنا الدمشقي)، فضلاً عن روايات في الحوليات السريانية المعاصرة تذكر أن معاوية زار كنيسة القيامة والجلجثة في القدس وتدخل لفض الخلافات اللاهوتية بين اليعاقبة والنساطرة.
حين نخضع هذه الفرضيات للنقد الأكاديمي الصارم، يتبين سريعاً تهافتها المنهجي، وأنها بنيت على اجتزاء الأدلة وعزلها عن سياقها التاريخي والواقعي.
إن وجود الرموز البيزنطية والصلبان على العملات المبكرة لم يكن تعبيراً عقائدياً، بل كان ضرورة اقتصادية وبيروقراطية بحتة. لم تكن الدولة الناشئة تملك الكوادر الفنية ولا البنية التحتية لابتكار نظام نقدي عالمي فوراً. كان التجار والأسواق المحلية في الشام ومصر معتادين على العملة الرومانية، وأي تغيير مفاجئ وجذري في شكلها كان سيتسبب في صدمة اقتصادية ورفض للتعامل بها. لذلك، استمرت دور السك المحلية في إنتاج ما اعتادت عليه مع إدخال تعديلات طفيفة، وهو سلوك براغماتي مارسه العرب حتى أصبحت الدولة قوية ومستقرة بما يكفي لتنفيذ حركة التعريب الشاملة في عهد عبد الملك بن مروان.
أما نقش حمام جادارا، فإن دحضه يكمن في طبيعة المنشأة ونظام البناء في ذلك العصر. كان الحمام منشأة عامة رومانية قديمة، وتولى الإشراف على ترميمه مهندسون وعمال مسيحيون من سكان البلاد الأصليين. هؤلاء البناءون كتبوا النقش باللغة اليونانية وبصيغتهم الدينية المعتادة (بدءاً بالصليب)، تقرباً للخليفة الحاكم وإثباتاً لولائهم له. إن نسبة الصليب للخليفة هنا تشبه نسبة النمط المعماري الكنائسي لقصر أموي؛ مجرد استعانة بخبرات محلية في بيئة لم تكن قد تأسلمت وانتقلت إلى لغة القرآن (العربية الفصحى) بعد.
وفيما يتعلق بالاعتماد على البيروقراطية المسيحية والزواج من المكون المسيحي، فإن هذا يمثل ذروة الدهاء السياسي وبُعد النظر عند معاوية بن أبي سفيان، وليس دليلاً على ردة أو معتقد شخصي. دخل المسلمون الشام وهي إقليم تحت الاحتلال بيزنطي بامتياز، فكان من المستحيل إدارة الدواوين وجمع الضرائب وتنظيم شؤون الأرض دون الاستعانة بالطبقة التكنوقراطية المحلية التي يمثلها سرجون بن منصور وأمثاله. كما أن التحالف مع قبيلة كلب المسيحية عبر المصاهرة كان ضرورة عسكرية وأمنية لتثبيت أركان الحكم في مواجهة التهديدات الخارجية والاضطرابات الداخلية.
أخيراً، فإن الحوليات السريانية والمسيحية المعاصرة التي استند إليها التعديليون كشفت في مواضع أخرى كذب ادعائهم. فهذه الحوليات نفسها، كحولية سيبوس والأناشيد الدينية المعاصرة، تصف العرب بـ"الهاجريين" أو "الإسماعيليين"، وتؤكد أنهم جاؤوا بدين يرفض بقوة الثالوث وألوهية المسيح، ويتمسك بعبادة إله إبراهيم الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد. أما صلاة معاوية في القدس أو زيارته للمقدسات، فكانت خطوة سياسية لخطب ود الرعايا المسيحيين وتأكيد سلطته كحاكم أعلى على كافة الطوائف، تماماً كما كان يفعل الأباطرة في الإمبراطوريات متعددة الأديان.
نخلص في الختام إلى أن خرافة "مسيحية معاوية وسلالته" ليست سوى نتاج قراءة استشراقية تعسفية، تُسقط مفاهيم حديثة على واقع تاريخي كان محكوماً بآليات مختلفة تماماً. لقد ارتكبت المدرسة التعديلية خطأً منهجياً فادحاً حين خلطت بين "أدوات الإدارة والسياسة" وبين "العقيدة والدين"، فاعتبرت الاستعانة بموظف مسيحي أو إبقاء عملة بيزنطية دليلاً على هوية الحاكم الدينية. إن التاريخ الحقيقي للدولة الأموية يؤكد أنها كانت دولة إسلامية بامتياز في هويتها التأسيسية وغايتها السياسية، لكنها واجهت واقعاً معقداً في إقليم الشام، فتعاملت معه بمرونة وبراغماتية أذهلت معاصريها من المؤرخين الأجانب، فظنوا أن هذا التسامح وهذا الانفتاح يعكسان اندماجاً عقائدياً، بينما كان في حقيقته أسلوب حكم عبقري مكّن الدولة الناشئة من البقاء والتمدد. إن دحض هذه النظريات لا يحمي الرواية التاريخية الإسلامية فحسب، بل يعيد الاعتبار للمنهج العلمي الذي يرفض تحويل التفاصيل البيروقراطية الصغيرة إلى مؤامرات تاريخية كبرى لا سند لها في أرض الواقع.