جغرافيا الرماد: هل تبتلع نبوءات اليمين ضفاف الأمازون؟
تعرف على تحولات أمريكا اللاتينية السياسية وصراع اليمين واليسار حول القضية الفلسطينية وموقف البرازيل الصلب في قراءة تحليلية دقيقة.
أمريكا اللاتينية: مرآة مأساة غزة وفلسطين
بقلم: د. علاء أبوعامر
كانت أمريكا اللاتينية دائماً قارة تكتب تاريخها بالدموع والثورات، مسرحاً مفتوحاً تتصارع فيه أحلام التحرر مع قيود الهيمنة. واليوم، يتجاوز هذا الصراع حدود الجغرافيا وحدود اللغة، ليتحول إلى مرآة عاكسة لـمأساة غزة وفلسطين. فمنذ عقود، واليسار اللاتيني يرى في الكوفية الفلسطينية رمزاً لمقاومته الخاصة ضد الإمبريالية، بينما يرى اليمين المتطرف، المسكون بالهواجس والأساطير الدينية للمسيحية الصهيونية، في العلم الإسرائيلي راية مقدسة لا يجوز النيل منها.
تحالفات اليمين اللاتيني المتسارعة مع إسرائيل
في كولومبيا التي أدارت ظهرها لإرث بيترو المناصر للقضية، وفي كوستاريكا والإكوادور وبيرو وسلفادور بوكيلي، يسير اليمين بخطى متسارعة نحو تعميق التحالف مع إسرائيل. لم يعد الأمر مجرد تبادل ديبلوماسي أو مصالح اقتصادية عابرة، بل تحول إلى ما يشبه الارتماء الأعمى في تيار يبرر الإبادة باسم الأمن وباسم نبوءات دينية غيبية تؤمن بها الكنائس الإنجيلية التي باتت تسيطر على مفاصل السياسة في القارة. هذا الانزياح الجماعي نحو اليمين خلق شرخاً هائلاً في الهوية السياسية لأمريكا الجنوبية، وبدت فلسطين وكأنها تفقد حصونها التقليدية في تلك البلاد البعيدة.
البرازيل صخرة ترفض الانصياع ومعركة كسر العظم
وسط هذا المشهد القاتم، تقف البرازيل بقيادة لولا دا سيلفا كصخرة عاتية ترفض الانصياع. لم تكتفِ البرازيل بمجرد إدانة شفهية، بل خاضت معركة كسر عظم ديبلوماسية؛ سحبت سفيرها، ورفضت اعتماد السفير الإسرائيلي الجديد، وحملت لواء المحاسبة الدولية واصفة ما يحدث بالإبادة الجماعية الممنهجة. البرازيل اليوم لا ترمم الصدع بل تعمقه، لأنها ترفض خيار المساومة الأيديولوجية. هي تدرك أن المعركة الخارحية ضد الصهيونية هي ذاتها المعركة الداخلية ضد التيار البولسوناري المتطرف الذي يستمد قوته من ملايين الإنجيليين المستعدين للتضحية بسيادة بلادهم من أجل معارك توراتية متخيلة.
المعركة على روح القارة اللاتينية وخط الدفاع الأخير
إن المعركة في البرازيل اليوم ليست مجرد منافسة انتخابية على كرسي الرئاسة، بل هي معركة على روح القارة اللاتينية بأكملها. إن صمود يسار البرازيل في وجه هذا المد اليميني الجارف هو خط الدفاع الأخير عن إرث التضامن الإنساني مع فلسطين في الجنوب العالمي. فإما أن تظل برازيليا منارة للمستضعفين، أو أن تسقط في صناديق الاقتراع المقبلة، لتكتمل لوحة السقوط اللاتيني في الهاوية ذاتها.
سقوط أخلاقي مدوٍّ وعقدة نقص أيديولوجية
إن الارتماء المخزي لبعض الحكومات اللاتينية في أحضان الصهيونية الإبادية ليس دليلاً على حنكة سياسية، بل هو سقوط أخلاقي مدوٍّ وعقدة نقص أيديولوجية أمام السيد المتغطرس، وتأكيد على أن عروش اليمين هناك لا تقتات إلا على دماء الأبرياء ونبوءات الدجل الديني.