عروق الصلصال والساحل: قصة إمارة كنعانية من حواضر فلسطين إلى سِفر الملوك

عروق الصلصال والساحل قصة إمارة كنعانية ناشئة في مرتفعات فلسطين الجنوبية وفق النقوش الأثرية وحوليات الملوك وحفريات علم الآثار النقدي الحديث

عروق الصلصال والساحل: قصة إمارة كنعانية من حواضر فلسطين إلى سِفر الملوك
عروق الصلصال والساحل: قصة إمارة كنعانية من حواضر فلسطين إلى سِفر الملوك

بقلم:د. علاء أبوعامر 

في تلافيف الزمان التي توثقها ألواح الطين المشوية وحوليات الملوك المنتصرين، لم تكن فلسطين القديمة أرضاً لقصص معزولة، بل كانت مسرحاً حضارياً مفتوحاً، تهب عليه رياح الشرق، وتلتقي في شعابه لغات الصحراء والساحل. ومن رحم هذا النسيج المشرقي الأصيل، ولدت إمارة صغيرة في المرتفعات الجنوبية لبلاد كنعان، عُرفت في الأرشيفات العالمية القديمة باسم إمارة يهوذا. هذه الإمارة، التي طالما حيكت حولها سرديات متأخرة، تعيدها المكتشفات الأثرية وشهادات المؤرخين القدامى، وحتى مراجعات علم الآثار النقدي الحديث، إلى حجمها الحقيقي وإلى أرومتها الكنعانية الخالصة، كحلقة من سلسلة ممالك المدن والقرى الفلسطينية القديمة، داحضةً الأوهام التي روجت لها الأدبيات الكنسية والصهيونية.

تبدأ القصة من الجنوب، حيث الرمال الممتدة بين مدين وأدوم وجبال السراة وشمال سيناء. هناك، حيث تتبعت عين الفرعون المصري القديم خطى البدو الرحل، الذين أطلقت عليهم النصوص الهيروغليفية اسم الشاسو. في معبد صوليب وفي عمارة غرب، في قلب النوبة وشمال السودان، سطر الكاتب الملكي لرمسيس الثاني وأمنحوتب الثالث عبارة قاطعة: "أرض شاسو-ياهو". لم تكن يهوذا قد ولدت بعد ككيان سياسي، لكن اسم إلهها المستقبلي كان يتردد في الوديان كإله بدوي عربي شمالي، يعبده الرعاة وأبناء الصحراء قبل أن ينتقل شمالاً مع حركة القوافل التجارية ومواسم الهجرة الإقليمية، ليندمج لاحقاً في النسيج الحضاري لفلسطين.

عندما استقر هؤلاء الرعاة في المرتفعات الجنوبية، أسسوا كياناً سياسياً صغيراً، لم يكن غريباً عن محيطه، بل كان وليداً شرعياً للأرض الكنعانية. ولأن اللغة هي مرآة الهوية، فإن أهل هذه الإمارة لم يتحدثوا لغة هبطت عليهم من السماء، بل جرت على ألسنتهم "شفة كنعان". كانت لغتهم لهجة كنعانية صافية، تتطابق في قواعدها ومفرداتها وبنيتها اللغوية مع لغة أشقائهم في المدن الفينيقية على الساحل، وسكان حواضر ومدن وقرى فلسطين الأخرى مثل أسدود، وعسقلان، وغزة، ويافا، وحبرون (الخليل)، والسامرة. بل إنهم كتبوا معاملاتهم وحفروا نقوشهم بنفس الأبجدية الكنعانية القديمة المشتقة من الفينيقية، دون أي تميز لغوي يفصلهم عن محيطهم الفلسطيني المباشر.

وقد تجسدت هذه الوحدة الإقليمية بأوضح صورها في شهادات جغرافيا العالم القديم؛ حيث أكد المؤرخ اليوناني الشهير هيرودوت في رحلاته وكتاباته التاريخية أن كل سكان هذه الأرض، الممتدة من صيدا شمالاً إلى غزة جنوباً، ومن شواطئ البحر الأبيض المتوسط غرباً حتى تخوم البحر الميت ونهر الأردن شرقاً، كانوا في حقيقتهم عرباً وكنعانيين فلسطينيين، يعيشون جنباً إلى جنب في إقليم جغرافي واحد متصل ومميز أطلق عليه صراحة اسم "فلسطين السورية".

وهو الأمر الذي تحول اليوم إلى يقين علمي قاطع داخل الأوساط الأكاديمية المعاصرة في فلسطين المحتلة نفسها؛ إذ أثبتت حفريات ومسوحات رواد علم الآثار النقدي هناك، وفي مقدمتهم إسرائيل فنكلشتاين، أن سكان مرتفعات يهوذا لم يكونوا شعباً غريباً أو مختلفاً، بل كانوا مجرد فئات من البدو الرعاة المحليين والكنعانيين الذين استوطنوا الجبال بشكل تدريجي، منبثقين من صلب المجتمع الفلسطيني الأصيل، مما ينسف بالدليل المادي القاطع زيف الدعاية الصهيونية التي حاولت تصويرهم ككيان عرقي منفصل ومتميز عن جيرانه.

ولم يكن مظهر ناس عاصمتهم أورشليم، أو لباسهم، أو عاداتهم اليومية يشذ عن هذا الموزاييك المشرقي. فإذا تصفحنا جداريات حصار مدينة لخيش التي خلّدها الكاتب الآشوري على جدران قصر سنحاريب بنينوى والمحفوظة في المتحف البريطاني، نرى رجال يهوذا ونساءها بملابسهم الطويلة، وعمائمهم العريضة الملفوفة، ولحاهم المشذبة، وهي هيئة تطابق تماماً لباس سكان حواضر فلسطين وفينيقيا وجيرانهم من العرب الشماليين في ذلك العصر. وحتى في أوقات رحيلهم وموتهم، التزموا بنمط الدفن الكنعاني الأصيل، فكانوا ينحتون المساطب والمقابر في الصخر، ويضعون مع موتاهم جرار الطعام والشراب، في طقس جنائزي متوارث في مدن وقرى فلسطين منذ العصر البرونزي، بعيداً كل البعد عن عادات التحنيط المصرية أو الدفن الرافديني.

أما في عالم الروح والعبادة، فقد تجلى التعدد الديني الذي ربط هذه الإمارة بمحيطها الكنعاني والعربي بأوضح صورة. فالنقوش المكتشفة في موقع كنتيلة عجرود في شمال سيناء هدمت فكرة العزلة والتوحيد المبكر؛ حيث طالعنا النص الكنعاني بعبارات تبارك المسافرين باسم "يهوه السامرة وعشيرته"، وباسم "يهوه تيمان وعشيرته". وتيمان هنا هي بلاد أدوم وشمال الجزيرة العربية، وعشيرته هي الإلهة الكنعانية الشهيرة عشيرة، أم الآلهة وزوجة الإله إيل في ميثولوجيا أوغاريت وكنعان القديمةوشمال جزيرة العرب. هذا التعدد والانفتاح الديني سافر مع المهاجرين والجنود من فلسطين حتى جزيرة ألفنتين في أسوان بمصر، حيث كشفت بردياتهم الآرامية من القرن الخامس قبل الميلاد أنهم بنوا معبداً لإلههم يهوه، لكنهم عبدوا معه في ذات الوقت مجمع آلهة كنعانياً ضم الإلهة عنات-يهوه، والإله أشم-بيت إيل، في دمج ديني مباشر وعفوي يؤكد أن معتقداتهم كانت مرنة كمعتقدات جيرانهم في أسدود وغزة وجنوب الشام.

وحتى أسماء ملوكهم، مثل آحاز وحزقيا ومنسى ويهويا كين، فقد جاءت منبثقة من الجذور اللغوية العروبية "السامية" المشتركة، وجلست هذه الأسماء في سجلات القوى العظمى كملوك لإمارة تابعة خاضعة لإمبراطوريات الرافدين. فالوثائق الآشورية الصريحة، مثل منشور سنحاريب ولوح نمرود لتغلث فلاسر، ذكرت مملكتهم باسم بلاد ياؤودو وعاصمتهم أورشليم، واصفة دفعهم للجزية من ذهب وفضة، والتمردات البراغماتية التي قادوها بالتحالف مع المدن الكنعانية الفلسطينية على الساحل كعسقلان وعقرون، وبالاستعانة بمقاتلين مرتزقة وصفتهم النصوص الآشورية صراحة بـ "العرب".

لكن هذه الإمارة، التي عاشت في ظل القوى الكبرى، واجهت نهايتها المحتومة عندما تبدلت موازين القوى في الشرق القديم. فمع صعود الإمبراطورية البابلية الحديثة، زحف الملك نبوخذ نصر الثاني نحو بلاد الشام. وفي السنة السابعة من حكمه، وتحديداً في عام 597 قبل الميلاد، وثقت الحوليات البابلية المسمارية سقوط أورشليم صراحة؛ حيث حاصر جيش بابل مدينة يهوذا، وأسر ملكها الشاب يهويا كين، واقتاده مع أسرته ونخبة مجتمعه سبايا إلى بلاد الرافدين، تاركاً خلفه إمارة محطمة، عُين على رأسها ملك تابع هو صدقيا، قبل أن يسدل الستار تماماً على هذا الكيان السياسي إثر التمرد اللاحق الذي انتهى بتدمير المدينة واختفاء إمارة يهوذا من الخارطة السياسية لعصر ما قبل الفرس. وفي أطلال قصر نبوخذ نصر ببابل، عثر المنقبون على ألواح طينية تسجل حصص الزيت والتموين اليومي المخصصة للملك الأسير "يهويا كين ملك بلاد يهوذا"، كشهادة وفاة مسمارية رسمية لإمارة ذابت في بحر الإمبراطوريات.

إن قصة يهوذا في عصرها القديم، كما ترويها النقوش المعاصرة لها، هي قصة كيان محلي عاش وتنفس باللغة الكنعانية، وارتدى لباس سكان حواضر فلسطين، وعبد آلهة البادية والساحل في مجمع شركي متكامل، وتحالف براغماتياً مع جيرانه في عسقلان وغزة وعرب الشمال من أجل البقاء، قبل أن تطحن تطلعاته السياسية جيوش آشور وبابل، لينتهي وجوده الإداري المستقل، وتتحول أرضه إلى مجرد مقاطعة مدمرة تنتظر فصلاً جديداً من فصول التاريخ تحت ظلال الرايات الفارسية.

إن المراجعة العلمية الرصينة للنقوش والآثار الموثقة التي استعرضناها في هذا المقال، معطوفة على شهادة هيرودوت واعترافات أحدث مدارس علم الآثار النقدية الصهيونية (كفنكلشتاين)، تفضي بنا إلى نتيجة حاسمة تهدم الكثير من السرديات الإيديولوجية المتأخرة:

 نحن هنا لا نعتمد على كتب دينية كُتبت ونُقحت بعد قرون من الأحداث، بل نقرأ تقارير رسمية مسمارية وهيروغليفية حُفرت في الصخر والطين لحظة وقوع الحدث وبأيدي قوى محايدة (مصريين، وآشوريين، وبابليين)، بالإضافة لشهادات مؤرخي الإغريق الأوائل، ومكتشفات المدارس الأركيولوجية المعاصرة، مما يمنحها موثوقية تاريخية مطلقة.

حيث تظهر يهوذا في هذه النقوش كإمارة صغيرة محدودة التأثير في المرتفعات، تدور في فلك القوى العظمى، وتدفع الجزية كغيرها من إمارات المنطقة، ولم تكن يوماً إمبراطورية شاسعة كما تُصوّرها بعض النصوص المتأخرة، بل كانت في بداياتها مجرد تجمع ريفي كنعاني بسيط في الجبال.

 إن المكتشفات من صوليب، وكنتيلة عجرود، وبرديات ألفنتين تؤصل حقيقة أن الإله "يهوه" هو في أصله التاريخي إله بدوي عربي شمالي (من أرض الشاسو في مديان وأدوم)، تمدد شمالاً ليندمج في مجمع الآلهة الكنعاني التعددي الشركي المشترك مع حواضر فلسطين والساحل الفينيقي.

و إن شعب هذه الإمارة، من خلال لغتهم (شفة كنعان)، ولباسهم في الجداريات الآشورية، وطرق دفنهم، وأسمائهم، وتحالفاتهم العسكرية المشتركة مع المدن الفلسطينية مثل عسقلان وعقرون وعرب الشمال، كانوا جزءاً لا يتجزأ من النسيج الإنساني لـ "فلسطين السورية" كما وصفها هيرودوت، وجزءاً من السكان المحليين الكنعانيين و العرب البدو المستقرين كما يقرر علم الآثار المعاصر داخل الكيان نفسه؛ حيث يتطابق امتدادهم البشري والثقافي مع سكان حواضر وقرى فلسطين التاريخية (كأسدود، وغزة، ويافا، وحبرون، والسامرة)، فالفروق بينهم وبين جيرانهم كانت حدوداً سياسية وصراعاً على المكوس، وليست فروقاً عرقية أو لغوية.

ويمثل السقوط عام 597 و586 قبل الميلاد، والموثق في الحوليات البابلية وألواح التموين، نهاية كاملة وحقيقية للكيان السياسي القديم ليهوذا، مما يؤكد اختفاء هذه الإمارة تماماً من الخارطة السياسية لعصر ما قبل الفرس، ويجعل أي حديث عن استمرارية سياسية بعد هذا التاريخ بحاجة إلى قراءة مختلفة تماماً تحت ظلال الإمبراطورية الفارسية.