سيوف البادية ومحاريب القدس: الجذور العربية لفلسطين وأسرار المعبد العربي المقدس
الجذور التاريخية والديمغرافية للقبائل العربية في فلسطين والقدس، ودورها في بناء الحضارة والعمارة القديمة استناداً إلى الحفر الأثري والنصوص التاريخية.
بقلم :د. علاء أبوعامر
طالما حُجبت الجغرافيا التاريخية لبلاد الشام خلف ستائر السرديات اللاهوتية المتأخرة، بيد أن التدقيق النقدي في نصوص العهد القديم، والحفر الأثري، والحوليات التاريخية المعاصرة للحدث، كلها شواهد تزيح الستار عن حقيقة جيو-ديمغرافية واضحة؛ فلسطين بجنوبها ووسطها وشمالها لم تكن يوماً بقعة معزولة، بل كانت حياضاً ديمغرافياً ومجالاً حيوياً للقبائل "العربية الشمالية" منذ فجر التاريخ، ولم تكن (القدس) ومنطقة يهوذا إلا حواضر نابضة بوجودهم وسلطانهم وعمارتهم.
لم تكن القبائل العربية في العصور القديمة مجرد جماعات عابرة للرمال، بل شكلت الكتلة السكانية الصلبة لأرض فلسطين وجوارها.
وزعت أسفار التوراة أبناء "إسماعيل" الاثني عشر باعتبارهم رؤساء قبائل وحواضر استقرت في الأرض (التكوين 25: 16). وبينما كان اليطوريون (أبناء يطور بن إسماعيل) يشكلون الثقل السكاني والعسكري في الجليل وشمال فلسطين، كان الأدبئيلية (الذين ظهروا باسم إيديبيلو في الحوليات الآشورية) يمسكون بمفاتيح غلاف غزة ومنافذ سيناء لتأمين بوابات التجارة. وفي قلب فلسطين وشرقها، تلاحم المشهد بين الأنباط (أبناء نبايوت البكر لإسماعيل بحسب العهد القديم) واشقائهم القيداريين، يساندهم جيرانهم الأدوميون. والتوراة نفسها، بقراءتها النقدية، تنفي تماماً خلو الأرض من سكانها بعد الغزوات البابلية، بل تؤكد بقاء فئات واسعة من السكان المحليين الذين تداخلوا مع المحيط العروبي الكنعاني (إرميا 40: 11-12).
مع بزوغ الفجر الفارسـي في القرن الخامس قبل الميلاد، تجلت السيادة العربية المباشرة على القدس في شخصية الملك الإمبراطوري جشم العربي، ملك مملكة قيدار. هذا الملك، الذي عثر الأثريون على نقوش باسمه وباسم ابنه قينو في تل المسخوطة بشرق دلتا مصر وفي واحة دادان بالعلا، كان يمتد نفوذه التجاري والعسكري من شمال الحجاز عبر سيناء حتى تخوم القدس (Dumbrell 1971). وعندما حاولت الإمبراطورية الفارسية عبر رسولها نحميا بناء حصن عسكري مسور ومعبد في القدس لحماية خطوطها الإقليمية، وقف جشم القيداري سداً منيعاً في وجه هذا المشروع الإمبراطوري، مستنداً إلى كثافة سكانية عربية تطوق أورشليم، مما أجبر البلاط الفارسـي على الانصياع ومراجعة حساباته لسنوات طويلة خوفاً من قطع طرق قوافل البخور المتجهة نحو ميناء غزة الفلسطيني (نحميا 2: 19، 6: 6).
وفي العصر الروماني، بلغت هذه الصيرورة السكانية ذروتها السياسية والمعمارية مع تولي الملك هيرودس الكبير، والمعروف تاريخياً بـ "حرد العربي"، عرش البلاد. لم يكن حرد غريباً عن نسيج الأرض؛ فهو عربي قح من جهة أبيه "أنتيباتر الأدومي" (العربي المستقر في جنوب يهوذا والقدس)، ومن جهة أمه الأميرة النبطية العربية "قبرة" القادمة من حاضرة البتراء (Kasher 1988). عندما شرع حرد في إعادة بناء وتوسيع المعبد الضخم في القدس، لم يكن يشيد صرحاً لأقوام غرباء، بل بناه لخدمة سكان الأرض الأقحاح الذين تداخلوا ثقافياً عبر القرون. وقد صُبغت عمارة المعبد وأسواره (المعروفة بحجارتها الضخمة اللامعة) بالهندسة المعمارية النبطية ذاتها التي برع فيها البناة العرب في البتراء ومدن النقب كعبدة وممشيت. وفي ذلك العصر، لم تكن "اليهودية الحاخامية" قد ولدت بعد كمنظومة تشريعية تلمودية مستقلة، إذ إنها منتج متأخر تشكل في بابل في القرن الخامس الميلادي تحت تأثيرات فلسفية زرادشتية وفيدية مشرقية كمنظومة "السيفيروت" الباطنية (Neusner 1991). وبذلك، كان معبد حرد في نشأته وهويته البنائية والديمغرافية معبداً محلياً نبت من دماء وأيدي أهل الأرض العرب.
إن هذه الأصالة السكانية تفسر سر البأس الشديد الذي واجهت به قبائل فلسطين وجوارها جحافل الإمبراطورية الرومانية عندما تهاوت أسوار القدس؛ فقادة الملاحم الكبرى والثورات الثلاث التي هزت عرش روما كانوا أبطالاً خرجوا من أرحام هذه القبائل العربية الإسماعيلية والأدومية:
١. سمعان بن جيورا: قائد الثورة الكبرى وحصار القدس (70م)، والذي وثق المؤرخ المعاصر يوسيفوس فلافيوس ولادته في مدينة جرش بشرق الأردن لعائلة ذات أصول نبطية عربية، حيث قاد خلفه آلاف المقاتلين الأشداء من عرب النقب والبادية وشرق نهر الأردن دفاعاً عن أسوار مدينتهم (Josephus 1981).
٢. سمعان بن كوزيبة: قائد ثورة (132-135م)العنيفة، الذي يعرف بالخطاب اليهودي والكنسي باسم "بركوكبا" والذي تكشف خطاباته المكتشفة في برية الضفة الغربية "يهودا" عن جذوره وجذور مقاتليه المنحدرة من القبائل الأدومية واللخمية المستقرة في الخليل وبيت لحم، والذين أداروا حرب عصابات مرغت كبرياء الفيالق الرومانية في التراب (Yadin 1971).
٣. سمعان بن يؤور (يوحنا الجشي): القائد العسكري الشرس الذي ألهب شمال فلسطين بنيران الثورة، وهو ينتمي عرقياً وثقافياً إلى القبائل اليطورية الجليليّة (أبناء يطور بن إسماعيل) الذين عُرفوا تاريخياً في جبال الجليل ولبنان بفروسيتهم وتمردهم المستمر على حكم الأباطرة (Myers 2010).
وعليه، فإن تتبع هذا الخيط التاريخي المتصل لا يقودنا فقط إلى فهم عروبة الأرض والمقدسات، بل يفتح الأبصار على النبوءات الباقية في أسفار أنبياء فلسطين القدامى؛ ففي أوج الصراع السكاني والسياسي، بشر أنبياء القدس (وفي مقدمتهم إشعياء) بخروج مخلص عالمي وصاحب شريعة جديدة ينبثق من أرحام هذه القبائل الإسماعيلية بالذات. تذكر النصوص دِيَارَ قِيدَارَ والبرية والقبائل البدوية الممتدة نحو الحجاز كأول المترنمين ببهجة هذا النور القادم من الجنوب (إشعياء 42: 11). ولم تشهد جغرافية قيدار، ولم يعرف عمود النسب القرشي لعدنان المنحدر من قيدار بن إسماعيل، نبياً صاحب رسالة كبرى غيرت مجرى التاريخ البشري وهزت عروش الأكاسيد والقياصرة سوى الرسول العربي محمد ﷺ؛ لتتطابق شواهد التاريخ على الأرض مع بشارات الأنبياء في السطور.