محو الهوية على أعتاب رام الله حين واجهت الإرادة الفلسطينية شروط توني بلير مجددا

مقترح توني بلير المثير للجدل بشطب اسم فلسطين من المناهج الدراسية، وموقف القيادة الفلسطينية الحاسم برفضه.

محو الهوية على أعتاب رام الله حين واجهت الإرادة الفلسطينية شروط توني بلير مجددا
محو الهوية على أعتاب رام الله حين واجهت الإرادة الفلسطينية شروط توني بلير مجددا

بقلم: د. علاء أبوعامر 

في كواليس السياسة الدولية المعتمة حيث تُصنع مصائر الشعوب بأقلام غريبة حط رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير رحاله في رام الله يحمل في حقيبته مقترحا يتجاوز حدود السياسة التقليدية ليمس عصب الوجود والهوية الفلسطينية وجاء بلير هذه المرة مبعوثا لما يُعرف بمجلس السلام الذي شكلته إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إطار هندسة الواقع الجديد للمنطقة وترتيبات ما بعد الحرب في قطاع غزة حاملا شرطا غريبا ومثيرا للذهول لكي تحظى السلطة الفلسطينية ببطاقة التأهل والقبول كشريك مستقبلي في أي تسوية قادمة.

لم يكن المطلب يتعلق بحدود جغرافية أو ترتيبات أمنية بل استهدف محو الكلمة التي تلخص قضية بأكملها حيث طلب بلير من القيادة الفلسطينية إزالة أي ذكر لكلمة فلسطين من المناهج الدراسية الرسمية واستبدالها بالتسمية القديمة لإحدى مناطق شمال الضفة "السامرة" في محاولة واضحة لتجريد الأجيال القادمة من وعيها التاريخي بوطنها وإعادة صياغة الجغرافيا المدرسية بما يتوافق مع الرؤية الصهيونية للمنطقة وتعد هذه الخطوة امتدادا لسياسات أوسع لفرض المناهج وتغيير المصطلحات الجغرافية في القدس والمدارس التابعة للمنظمات الدولية

لكن هذا الطرح المصيري قوبل بجدار صلب من الرفض حسمه رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بالرفض القاطع متمسكا بالثوابت الوطنية التي ترفض المقايضة على اسم الوطن وهو ما كشف عنه السفير البريطاني السابق لدى الأمم المتحدة جيريمي غرينستوك نقلا عن مصادر وزارية رفيعة المستوى ورغم مسارعة المتحدث باسم معهد توني بلير للتغيير العالمي بنفي هذه الأنباء ووصفها بالافتراء فإن التسريبات أعادت إلى الأذهان الدور المثير للجدل الذي طالما لعبه بلير في الشرق الأوسط منذ غزو العراق وحتى عمله مبعوثا للجنة الرباعية الدولية

ولم يكن هذا التسريب مجرد حدث معزول في فضاء السياسة بل جاء متزامنا ومتسقا مع حملات إعلامية ورقمية موجهة تشنها أطراف إقليمية وعربية سخرت منصاتها وجيوشها الإلكترونية لتشويه الإنسان الفلسطيني ونضاله وثقافته العريقة وجردته من إنجازاته الإنسانية والعلمية في محاولة بائسة لشيطنته وعزله عن محيطه العربي والدولي ويكشف هذا التناغم المريب بين الشروط الدولية والحملات الإقليمية عن حرب كبرى تتجاوز حدود تبادل إطلاق النار في الميدان العسكري لتستهدف الوعي والوجود الفلسطيني أينما كان وتدار هذه المواجهة بأيدي نخب مستفيدة من الوجود الصهيوني في المنطقة تسعى جاهدة لتأمين حمايته عبر تفكيك الحواضن الشعبية وتزييف الحقائق التاريخية لصالح سردية الاحتلال

إن المحاولات المستمرة لتغيير المصطلحات وتزييف الوعي التربوي بمشاركة هذه الأدوات الإقليمية تكشف أن صراع البقاء في فلسطين لا يدار في جبهات القتال وحسب بل في سطور الكتب المدرسية وعقول الأطفال الصغار وفي فضاءات الوعي الرقمي وإن صمود الرواية الوطنية الفلسطينية أمام إغراءات التسوية وضغوط القوى الدولية وحملات التشويه الممنهجة يثبت أن محو اسم دولة من على الخارطة التعليمية أو الوجدان الشعبي يظل رهانا خاسرا ما دامت الهوية حية في قلوب أصحاب الأرض والشارع العربي الذي يرفض هذه التنازلات ويتمسك بحقوقه التاريخية التي تظل عصية على النسيان والانقراض الهوياتي.