من يشعل النار في الفضاء الافتراضي؟ قراءة في كواليس الفتنة المبرمجة بين الأردنيين والفلسطينيين
كشف استراتيجيات الذباب الإلكتروني في استهداف العلاقات الأردنية الفلسطينية ومواجهة الفتن الهوياتية عبر منصات التواصل الاجتماعي.
بقلم:د. علاء أبوعامر
تتحرك الذاكرة الجمعية على ضفتي نهر الأردن مدفوعةً بإرث عميق من المشتركات الديموغرافية والتاريخية التي جعلت من العلاقات الأردنية الفلسطينية نموذجاً فريداً للاندماج والوحدة، حيث تماهت الحدود السياسية أمام روابط الدم والمصاهرة والمصير المشترك في مواجهة المشروع الاستعماري. ولم تكن هذه التوأمة، التي تجلت في معارك الدفاع عن القدس وباب الواد ومعركة الكرامة، مجرد تحالف سياسي عابر، بل صياغة لهوية اجتماعية متماسكة التقت فيها العشائرية شرق الأردنية باللجوء والكفاح الفلسطيني في نسيج وطني واحد أثبت صلابته أمام المحطات التاريخية العاصفة كافّة. ومع ذلك، تشهد المساحات الرقمية المعاصرة تحولاً جذرياً؛ إذ تحولت منصات التواصل الاجتماعي من فضاءات للتضامن الإنساني والسياسي إلى ساحات حرب هوياتية باردة، تقودها لجان إلكترونية مبرمجة وحسابات وهمية تسعى بشكل ممنهج إلى بث الفتنة، وتفكيك هذه الوحدة من خلال استغلال الأزمات والمناسبات الرياضية والسياسية المعاصرة.
تستند هذه المناكفات الرقمية الممنهجة إلى استراتيجيات ذكية تستهدف تحويل التباينات السياسية الطبيعية أو الهتافات العفوية في المسيرات الشعبية الداعمة لقطاع غزة إلى صدامات هوية حادة تثير الذعر الجمعي وتفكك الثقة المتبادلة. ويشير الباحث في الشؤون الرقمية الأردنية أحمد الزعبي (2024) إلى أن التحليلات الفنية للموجات التنافسية والتراشق اللفظي على منصة إكس كشفت عن وجود آلاف الحسابات الوهمية المدارة بواسطة خوارزميات الذكاء الاصطناعي و"الذباب الإلكتروني" التابع لجهات استخباراتية "إسرائيلية" وإقليمية. وتعمل هذه الجيوش الرقمية، بحسب الزعبي، على مسارين متوازيين؛ الأول يتلخص في إقناع المكون العشائري الأردني بأن أي حراك شعبي أو فعاليات تضامنية مكثفة تمثل تهديداً مباشراً لأمن الدولة ومواردها وسيادتها، بينما يركز المسار الثاني على تخوين الموقف الرسمي الأردني وتصويره كطرف متخاذل في مخيال النشطاء الفلسطينيين، مما يولد بيئة خصبة للتشكيك المتبادل وبناء جدران من الكراهية الافتراضية.
ولا تقتصر جذور هذه المناكفات على اللحظة الراهنة، بل تتغذى على إرث طويل من استغلال اليمين المتطرف لسيناريوهات "الوطن البديل" والتهجير القسري، وتحويلها إلى أدوات رقمية للترهيب الديموغرافي. وفي دراسة سوسيولوجية حول الإعلام الجديد والهوية الوطنية، يؤكد الباحثان رانيا البرغوثي ومصطفى العبادي (2025) أن المنافسات الرياضية التقليدية بين الأندية المحلية، مثل الفيصلي والوحدات، تم سحبها قسراً من سياقها التنافسي الرياضي العفوي إلى مساحات التجييش السياسي المنظم عبر السوشيال ميديا. وتوضح الدراسة كيف يساهم صناع المحتوى الباحثون عن نسب المشاهدة العالية والتفاعل السريع في تضخيم هذه الإساءات الرقمية المتبادلة، مما يمنح الحسابات الوهمية المشبوهة شرعية الانتشار ويجر فئات واسعة من الشباب والمراهقين إلى مستنقع الشتائم وتبادل الاتهامات بالخيانة والتقليل من التضحيات التاريخية لكل طرف.
في الختام، يظهر بوضوح أن الحرب الرقمية الموجهة ضد التلاحم الأردني الفلسطيني ليست مجرد خلافات عفوية بين مستخدمين عابرين، بل هي مشروع استراتيجي مبرمج يهدف إلى تقويض استقرار الدولة الأردنية من الداخل، وتصفية القضية الفلسطينية عبر عزلها عن عمقها العشائري والعربي الأقرب. ورغم الضجيج العالي الذي تحْدثه هذه الحسابات الوهمية في الفضاء الافتراضي، إلا أن حقائق الواقع الُمعاش والوعي الشعبي المتجذر في القرى والمخيمات والمدن الأردنية يثبت مراراً قدرته على تجاوز هذه الفتن الرقمية، مستنداً إلى وحدة المصير والترابط العضوي الذي لا تفكه خوارزميات التفرقة ومحركات البحث المأجورة.
طبعاً هذا كله لا ينفي وجود جهات حاقدة لأسباب شتى تذكي هذه النزاعات الهوياتية، التي لا أساس لها فالأردن كدولة معاصرة تأسست في العشرينيات لأسباب معروفة، هي وطن لعديد المكونات وليست ملكا لفريق ما، فهو وطن ودولة جمع في طياته العشائر الشرق أردنية ذات الأصول العربية الحجازية والنجدية والعراقية والسورية والفلسطينية وفيها المكون الفلسطيني اللاجئ والنازح، والمكون الشركسي والشيشاني القوقازي الأصل، وهناك مكونات عشائرية عربية أخرى من العراق واليمن وسوريا وغيرها ساهمت في تأسيس الإمارة ومن ثم المملكة. ولم يسمى الأردن في بداياته "أردن" بل الاسم الأول والنسق الرسمي للأردن عند تأسيس الدولة عام 1921 هو "إمارة الشرق العربي"و في العام، ١٩٢٣ م قام الأمير عبد الله بن الحسين بإطلاق اسم "الجيش العربي" على جيش إمارته.
إن إثارة النعرات هي تدمير لوطن واحد تحت مسمى أصبح ثابتا ومتجذرا وتصنيف هذا اردني وهذا مؤقت هي مجرد أوهام لا تصمد أمام الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي للبلاد حفظ الله الأردن وطنا حرا لجميع مكوناته شقيقا لمُحيطه العربي.