سر الساعات الخمس: خفايا الزيارة الخاطفة لمدير الاستخبارات الأمريكية إلى موسكو
زيارة خاطفة لمدير المخابرات الأمريكية إلى موسكو تثير تكهنات حول أوكرانيا وإيران
بقلم:د. علاء أبوعامر
لم تكن عقارب الساعة في موسكو تدور بانتظام حين هبطت الطائرة العسكرية الأمريكية من طراز "سي-17 إيه غلوب ماستر 3". حملت الطائرة في جوفها مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، في مهمة لم تتجاوز الخمس ساعات. وقت قصير بمقاييس الدبلوماسية، لكنه دهر بكامل تفاصيله في حسابات الأمن القومي وصراع القوى العظمى. إن المغادرة السريعة نحو العاصمة اللاتفية "ريغا" تفتح الباب أمام قراءتين لا ترحمان: إما أن الرسالة الأمريكية كانت شديدة الصرامة والوضوح لدرجة أنها لم تترك مجالاً للتفاوض، أو أن الجانب الروسي أبدى رفضا قاطعاً جعل من إطالة الجلوس أمراً عديم الفائدة.
تتحرك واشنطن في هذه الزيارة من منطلق رغبتها في ضبط إيقاع الصراع ومنع انزلاقه إلى مواجهة شاملة غير محسوبة. وتشير الاحتمالات الخلفية لهذه اللقاءات الرفيعة المستوى إلى محاولة أمريكية لرسم "خطوط حمراء" جديدة تتعلق بمستويات الدعم العسكري المتبادل بين القوى المناوئة لها، ومناقشة ملفات حساسة خلف الأبواب المغلقة مثل الأمن السيبراني والقنوات الخلفية لمنع الصدام النووي. تريد الولايات المتحدة معرفة المدى الذي يمكن أن تذهب إليه موسكو، وفي ذات الوقت، تقدم رسائل تحذيرية من مغبة تجاوز قواعد الاشتباك غير المعلنة.
على المقلب الآخر، تتعدد الروايات والقراءات بين العواصم المعنية بالحدث؛ فالأمريكيون يحاولون إضفاء طابع الحزم على الزيارة، مظهرين قدرتهم على اختراق الجمود الدبلوماسي عبر "قنوات الظل" الاستخباراتية عندما تصل السياسة إلى طريق مسدود. أما الروس، فيتعاملون مع الأمر بكبرياء القوة؛ حيث يرى الكرملين في هذه الزيارة دليلاً على أن واشنطن هي من تسعى وراء موسكو مدفوعة بالقلق، وأن فرض الشروط الأمنية الروسية بات أمراً لا يمكن تجاوزه. وفي كييف، يخيم القلق والترقب على الأجواء الأوكرانية؛ إذ تخشى القيادة هناك دائماً من "دبلوماسية الغرف المظلمة" التي قد تسفر عن صفقات أو تفاهمات دولية تأتي على حساب سيادتها الميدانية أو تقلص من زخم الدعم الغربي لها.
ولم يكن ملف الشرق الأوسط، وتحديداً الملف الإيراني، غائباً عن طاولة البحث، بل يمثل ركيزة أساسية في أطباق الحصار على طهران. تسعى واشنطن بكل ثقلها الاستخباراتي إلى كبح جماح التعاون العسكري المتنامي بين موسكو وطهران، خاصة ما يتعلق بنقل التكنولوجيا العسكرية المتقدمة أو الصواريخ والمسيرات. تعتبر الإدارة الأمريكية أن تفكيك هذا التحالف أو تحجيمه هو خطوة ضرورية لإحكام الخناق على إيران وتجريدها من غطائها الدولي الحامي، مما جعل هذا الملف بمثابة ورقة ضغط ومقايضة كبرى في الساعات الخمس العاصفة.
تظل هذه الزيارة الخاطفة شاهداً على أن الحروب الكبرى لا تُدار فقط في جبهات القتال، بل في خبايا العقول وخلف الكواليس الاستخباراتية. إن خمس ساعات في موسكو كانت كافية لوضع النقاط على الحروف، وربما رسمت ملامح المرحلة القادمة من التصعيد أو التهدئة المؤقتة، تاركةً العالم في حالة ترقب لما ستسفر عنه الأيام من حقائق حطت وطارت مع تلك الطائرة العسكرية في جنح الظلام.