صدى الحجارة: عندما تتحدث الجغرافيا بلغة الجذور
اكتشف كيف تتحدث جغرافيا فلسطين بلغة الجذور والتاريخ الكنعاني، رداً على الادعاءات الاستعمارية وإنكار الهوية السياسية والحضارية للبلاد.
بقلم:د. علاء أبوعامر
تمرّ في دروب التاريخ قوافل من العابرين، يظن بعضهم أن بمقدورهم محو السطور التي حفرتها الأزاميل في صخر "أريحا" قبل عشرة آلاف عام. تنبت بين الفينة والأخرى أصوات غريبة، تفصلها عن تراب الأرض جفوة، وتردد بجهل أو بتبعية عمياء مقولة جوفاء تدعي أن "فلسطين لم تكن يوماً دولة". هؤلاء لا يقرأون التاريخ إلا بعيون صهيونية استعمارية غربية مستعارة، ويتناسون أن فكرة "الدولة المركزية الحديثة" ذات الحدود المرسومة بالمسطرة الاستعمارية هي وليدة الأمس فقط، بينما فلسطين كانت تعج بالحياة السياسية والحضارية منذ فجر البشرية.
لو أنصت هؤلاء إلى صوت التراب، لسمعوا حكاية الكنعانيين الذين لم يكتفوا ببناء المدن، بل أسسوا نظام "دول المدن" المزدهرة، وهو ذات النظام الذي قامت عليه أمجاد اليونان القديمة وإيطاليا وعموم بلاد الشام. كانت غزة، وعسقلان، وبيسان، والقدس، واسدود وعقرون، ومجدو، وحبرون"ادوم" وغيرها.
ممالك قائمة بذاتها، تنبض بالتجارة والسياسة والدبلوماسية. بل إن التاريخ يحفظ في صفحاته الذهبية كيف تمدد الكنعانيون "الهكسوس" ليحكموا أجزاء واسعة من العالم القديم، ممتدين من قلب مصر حتى شمال سوريا، حاملين معهم ثقافة البناء وفنون الحرب والإدارة.
وحتى عندما كانت الإمبراطوريات العظمى تجتاح الشرق، لم تكن فلسطين مجرد أرض هامشية، بل كانت كياناً يحافظ على خصوصيته وحكمه الذاتي. وفي عهد الرومان، برز الملك "هيرودس" العسقلاني (حرد) العربي الأدومي، وسلالته الذين حكموا فلسطين التاريخية مع أجزاء من دول الجوار، مؤكدين الخصوصية السياسية لهذه الأرض في قلب الصراعات الكبرى. ومع بزوغ فجر الدولة الإسلامية، تحولت فلسطين في ظل نظام الولايات إلى حاضرة معرفية وسياسية، وجاد ترابها بجهابذة العلم، وقادة الفكر، والأطباء، والمهندسين الذين أضاءت مصنفاتهم عتمة القرون الوسطى. لم تكن فلسطين يوماً فراغاً ينتظر من يملأه، بل كانت خزانة النور التي تمد المنطقة بالحياة.
وفي العصر الحديث، وتحت وطأة الانتداب البريطاني، كانت فلسطين دولة معترفاً بكيانها وحدودها وهويتها واقتصادها وعملتها وصحافتها، قبل أن يمزقها سكين الاحتلال الصهيوني الإحلالي الأمريكي الأمتداد والأهداف المسيحانية. واليوم، ورغم القيد والرماد، تظل فلسطين دولة تحت الاحتلال بموجب القوانين والأعراف الدولية، وبموجب الدم الذي يرفض الجفاف. إن محاولة إنكار هذه الصيرورة التاريخية، والوقوف في صف الرواية الصهيونية لتجريد هذا الشعب من حقه التاريخي والسياسي، ليس مجرد جهل ممتد بالوثائق، بل هو مراهقة فكرية، وانتحار أخلاقي، وانسلاخ مخزٍ عن الهوية والانتماء؛ فمن يرتضي أن يكون بوقاً لرواية المحتل لتجريد أهله من حقهم، يسقط من عين التاريخ مغترباً عن جذوره.
وتأسياً على ما تقدم، فإن الحقائق التاريخية لا تموت بإنكار الجاحدين ولا تتغير بتبني روايات المعتدين. ستبقى فلسطين، بمدنها السبعين، وبلقائها الأزلي بين البحر والبر، وبإرثها الكنعاني والإسلامي، عصية على المحو. إن الدول لا تخلقها القرارات الاستعمارية، بل تصنعها الهوية المتجذرة في وجدان أصحاب الأرض الذين بنوا قراهم حجراً فوق حجر، وسقوا زيتونهم دماً وعرقاً عبر آلاف السنين. ومن يدعي غير ذلك، لا يسيء لفلسطين، بل يكتب شهادة وفاته المعرفية والأخلاقية، مسجلاً اسمه في قاع صفحات النسيان، بينما يظل وجه فلسطين الكنعاني العربي ناصعاً، حراً، وشاهداً أصيلاً على فجر الحضارة وسقوط العابرين.