الجزيرة العربية: رحم العروبة الواحد وتهافت مصطلحات العرب العاربة والمستعربة

اكتشف كيف تنسف المكتشفات الأثرية الحديثة والدحوث الجينية أسطورة العرب العاربة والمستعربة وتثبت وحدة الجزيرة العربية حضارياً

الجزيرة العربية: رحم العروبة الواحد وتهافت مصطلحات العرب العاربة والمستعربة
الجزيرة العربية: رحم العروبة الواحد وتهافت مصطلحات العرب العاربة والمستعربة

بقلم:د. علاء أبوعامر 

لعل من أكبر الجنايات التاريخية التي لحقت بالهوية العربية هي تلك القسمة الضيزى التي اختطّها بعض نسّابة القرون الوسطى، حين شطروا الأمة الواحدة إلى "عرب عاربة" خُلّص، و"عرب مستعربة" طارئين دخلوا في الهوية بالتبني. هذه الفرضية، التي صُنعت في محاضن الصراعات السياسية والقبلية إبان العصرين الأموي والعباسي، تحولت بمرور الوقت إلى أسطورة تاريخية جثمت على وعينا قروناً طويلة. واليوم، في زمن ثورة الآثار وفك شفرات النقوش والمكتشفات العلمية الحديثة، تتهاوى هذه الجدران الوهمية لتكشف عن حقيقة ساطعة: الجزيرة العربية، من جبال اليمن الشامخة جنوباً إلى حسمى والجوف و حتى الجزيرة السورية وكل بلاد الشام شمالاً، هي رقعة حضارية وبشرية واحدة لا تقبل التجزئة، وعروبة الشمال والجنوب نبتت من جذور أرض واحدة ولم تكن يوماً استعارة أو إلحاقاً.

إن أول ما تسقطه المكتشفات الأثرية الحديثة هو أسطورة "الاستعراب" الشمالي. فالحجاز الشامي، ونجد، وبادية الشام، وصحراء حسمى والجوف، لم تنتظر هجرات الجنوب لكي تصبح عربية، بل كانت حاضنة العروبة الأولى والأقدم. وفي هذه الأرض نبتت قبائل وعروش سحقت منطق التقسيم المتأخر؛ فهنا عاشت قبائل "عاد" و"ثمود" التي قيل عنها انها أسطورية، وتؤكد المسوحات الأثرية في جبل "رَم" بحسمى أن "إرم ذات العماد" كانت هناك، لتكون الأُم الولود لكل لسان عربي. وفي هذا الشمال الشامخ، قامت كيانات وقبائل عربية أصيلة موغلة في القدم، مثل "الأدوميين"، و"المؤابيين"، و"العمونيين" الذين سكنوا جبال وصحاري شرق الأردن وجنوب الشام، والقيداريين والادبيليين واللحيانيين وغيرهم الكثير الذين سكنوا النقب وغزة وعسقلان ويافا والقدس والخليل ونابلس، وفي حمص تواجدت قبائل شمس الغرام وفي الجولان والبقاع والجليل الفلسطيني قبائل العرب اليطوريين، الذين تركوا نقوشاً بلهجات عربية كنعانية قديمة تصدح بأصالتهم. 

 وارتفعت أسماء ملكات عربيات هززن عروش آشور، مثل الملكة (شمسي) التي قادت الفرسان العرب في معارك الشمال منذ القرن الثامن قبل الميلاد. إن هذه الممالك والقبائل لم تكن "مستعربة" بالمعنى الحكائي القديم الرائج، بل كانت في قلب الصيرورة اللغوية والبشرية التي صاغت الهوية العربية الفصحى قبل أن يولد النسابون بقرون.

ولم تكن القبائل العربية الشمالية مجرد مجموعات مبعثرة في البادية، بل انتظم حراكها في كيانات سياسية وازنة تفرض هيبتها على الإمبراطوريات العظمى المحيطة بها، وفي مقدمة هذه الكيانات تبرز "مملكة كيدار" (قيدار) كواحدة من أقوى وأقدم الاتحادات القبلية العربية في شمال الجزيرة العربية وبادية الشام بين القرنين التاسع والرابع قبل الميلاد. تعود تسمية المملكة أثرياً وتاريخياً إلى "قيدار بن إسماعيل"بحسب التوراة، الحاضن الأكبر لقبائل الشمال. وقد تحولت هذه المملكة إلى قوة اقتصادية وعسكرية هائلة سيطرت على طرق التجارة الدولية الواصلة بين جنوب الجزيرة وموانئ البحر الأبيض المتوسط. ولم يكن هذا الحضور خافياً على مدوّني الحضارات المجاورة؛ إذ تفيض النقوش الآشورية، ولا سيما نقوش الملوك "تغلات فلاسر الثالث" و"سرجون الثاني" و"آشور بانيبال"، بأخبار الحملات العسكرية الضخمة التي جردوها لإخضاع ملوك كيدار، والجزيات الهائلة التي دفعها العرب من إبل وذهب وبخور لضمان سلامة قوافلهم. ولم يقتصر حضور كيدار على السجلات العسكرية الآشورية، بل تغلغل في الوجدان الثقافي والديني للمنطقة، حيث أفرد لها الكتاب المقدس (العهد القديم) مساحات واسعة في أسفار الأنبياء مثل "إشعياء" و"إرميا"، فوُصفت كيدار بأنها موطن الفرسان الرماة وأصحاب الماشية الأغنياء، وقُرن اسمها بـ "خيام كيدار" السوداء المصنوعة من شعر الماعز، والتي كانت رمزاً للهيبة والمنعة في البادية العربية الشمالية. هذا الحضور الضخم يثبت أن الشمال كان يمتلك هوية عربية سياسية وعسكرية ناضجة ومستقلة، تضرب بجذورها في أعماق التاريخ قبل أي تقسيمات نسبية متأخرة.

وفي ذات السياق الذي صاغ فيه الشمال العربي ملامحه السياسية، لم تكن القيادة حكراً على الرجال، بل تجلت في ظهور ملكات عربيات قدن الجيوش وخططن للمعارك، وتأتي الملكة شمس (المعروفة في النقوش الآشورية باسم "شمسي") كشاهد حي على هذه الحقبة الفريدة في القرن الثامن قبل الميلاد. تولت الملكة شمس حكم اتحاد قبائل كيدار والشمال، ونظرت إلى التمدد الآشوري كتهديد مباشر لحرية شعبها وسيطرته على مسالك الصحراء. وفي عام 733 قبل الميلاد، اتخذت قراراً شجاعاً بالتمرد على العاهل الآشوري القوي "تغلات فلاسر الثالث"، ورفضت دفع الإتاوات، بل ودخلت في حلف عسكري مع مملكة دمشق "الآرامية" لصد الغزو الآشوري. تصف النقوش الآشورية بذهول وإعجاب تكتيكات هذه الملكة العربية؛ حيث قادت آلاف الفرسان العرب المستندين على خفة حركة الإبل في مباغتة الجيوش النظامية. ورغم أن الكفة العسكرية مالت لصالح الآشوريين في نهاية المطاف واضطرت الملكة للتراجع إلى أعماق الصحراء لتنظيم صفوفها ثم مهادنة آشور، إلا أن نقوش قصر "تغلات فلاسر" خلدت صورتها وهي تسوق قطعان الماشية والإبل كرمز للمقاومة العربية المبكرة. إن قصة شمس تدمر الصورة النمطية التي حاولت حصر العرب الأوائل في خانة البداوة المنعزلة، وتؤكد أن عروبة الشمال كانت تمتلك مؤسسة حكم وتنظيم عسكري قادر على مقارعة أعظم إمبراطوريات العصر القديم.

وفي المقابل، يقف على الضفة الأخرى منهج لغوي تفكيكي صارم، يمثله باحثون كالدكتور خزعل الماجدي وغيره، يزعم أن "اليمنيين القدماء ليسوا عرباً"، متذرعاً بأن لغات المسند (السبئية والحميرية والقتبانية) تختلف في قواعدها عن العربية الفصحى، وأن أهل الممالك المستقرة هناك لم يطلقوا على أنفسهم اسم "العرب" في نقوشهم بل كانوا يسمون العرب "أعرباً" كوصف للبدو. ورغم الوجاهة الظاهرية لهذا الطرح المستند للآثار، إلا أنه يقع في فخ "الفصام الأكاديمي الحاد"؛ فاللغة ليست الكاشف الوحيد للهوية البشرية. إن الفحوصات الجينية الحديثة (DNA) جاءت لتقول كلمتها الفصل, مبرهنة على أن القبائل العربية في الشمال والجنوب تنتمي إلى سلالة جينية رئيسية واحدة (J1) بفرعها العربي الضخم، مما يعود بنا إلى جد بشري جامع ووحدة دم مصمتة. وعلاوة على ذلك، فإن الاختلاف اللغوي بين لسان اليمني واللسان الشمالي هو اختلاف تنوع وانحدار من عائلة "عربية أم" واحدة، يشبه تماماً التمايز بين اللغات اللاتينية في أوروبا، ولا يعني أبداً قطيعة عرقية أو حضارية.

وإذا عدنا إلى معضلة اللسان واختلاف القواعد بين خط اللهجة اليمنية السبئية والعربية الفصحى الشمالية، فإن الجواب لا يكمن في قاعات المحاضرات النظرية، بل في الأودية والجبال المعزولة جنوب الجزيرة العربية، حيث ما زال اللسان الحميري المتأخر حياً يرزق حتى يومنا هذا في مناطق مثل "جبال فيفاء"، وبني مالك، وبعض تهائم اليمن وعسير. إن تفحص "اللهجة الحميرية" الحالية التي يتحدث بها سكان تلك المرتفعات يكشف عن "الحلقة المفقودة" التي عجز المنهج التفكيكي عن استيعابها. في هذه اللهجات، تبرز "أم" الحميرية (وهي استبدال لام التعريف بميم، مثل قولهم "أمْبيت" بدلاً من "البيت")، وتظهر مفردات وتراكيب نحوية ظنها باحثو اللغويات بائدة، لكنها في حقيقتها تمثل الطور الانتقالي الذي عبرت منه اللغة العروبية الأم نحو العربية الفصحى. 

الأهم من ذلك، أن هذه اللهجات لا تبدو غريبة عن الفصحى، بل هي فصحى غارقة في القدم، تحتفظ بجذور الألفاظ وصيغ الأفعال التي نجدها في الشعر الجاهلي وقواميس اللغة. هذا التداخل الحي يثبت أن لغة اليمن القديم لم تكن لغة أمة معزولة، بل كانت وجهاً آخر من وجوه اللسان العربي الواسع. ومع مرور الزمن وهجرات القبائل وتأثير القران الكريم لاحقاً، ذابت الفوارق الطفيفة وتوحد اللسانان، ليؤكدا أن حمير وسبأ وشمر وقضاعة وعاد وثمود، ما هم إلا أغصان في شجرة وثيرة واحدة، سقيت من نبع تاريخي وجيني مشترك.

والدليل الدامغ الذي ينسف فرضية الماجدي ويؤكد يمنية العروبة وعروبة اليمن، هو تلك الموجات البشرية الكبرى التي خرجت من قلب الممالك اليمنية كحمير وغيرها لتستوطن الشمال والوسط وتصبح هي عين العروبة ولسانها الفصيح. فمن رحم "حمير" خرجت "قضاعة" العظيمة، وتفرعت منها قبائل "بلي" و"جهينة" و"عذرة"، والتي سكنت حسمى وشمال الحجاز، فكانت يمانية الأصل والمحتد، لكنها كتبت بالنقوش الثمودية والصفائية الشمالية وتحدثت بأفصح لغات العرب. وماذا عساهم يقولون في قبيلة "طيء" اليمانية القحطانية التي هاجرت من الجنوب واستوطنت جبلي أجا وسلمى في شمال نجد، ليولد من رحمها قبائل "شمر" المعاصرة؟ لقد بلغت عروبة وفصاحة طيء حداً جعل الفرس والسريان قبل الإسلام يطلقون اسم "طيايا" على كل عربي كائناً من كان. فكيف يستقيم عقلاً وعِلماً أن يُنفى أصل العروبة عن اليمن، بينما القبائل التي هندست الهوية العربية الثقافية واللغوية في الشمال والوسط هي قبائل يمانية الدم والمولد؟

إن القول بوجود عرب عاربة في الجنوب ومستعربة في الشمال، أو الزعم بأن اليمنيين القدماء أمة غريبة عن العرب، هي أطروحات تتهاوى أمام شواهد الأرض والتاريخ وجينات البشر. لقد كان اليمن الخزان البشري الهائل للجزيرة العربية، وكانت الحواضر الشمالية في الجوف وحسمى والشام المصهر الثقافي واللغوي. تلاقى الدم الجنوبي باللسان الشمالي في عملية تكاملية مستمرة عبر آلاف السنين، فخرجت من هذا التمازج العظيم الهوية العربية الموحدة التي نعيشها اليوم. 

العروبة لم تكن يوماً حكراً على جغرافيا دون أخرى، بل هي نتاج هذه الدورة الحضارية المتكاملة بين نجد والحجاز واليمن والشام.

إن إعادة قراءة تاريخنا القديم بعيون علمية معاصرة، متحررة من أساطير العصور الوسطى ومن شطحات التفكيك الحديث الصارم، تكشف لنا كم نحن مدينون لكل شبر في هذه الجزيرة. إن العربي الذي سطر نقشه الصفائي في بادية الشام، والملك الحميري الذي نقش انتصاره بالمسند في ظفار، والملكة شمس وهي تقود جموعها في الشمال، هم جميعاً خيوط في ثوب واحد اسمه "الإنسان العربي"، وما هذا التنوع اللغوي أو الجغرافي القديم إلا ثراء في الأصل الواحد، لا فرقة في الجسد الواحد.