بين المقاطعة الدولية والفيتو الأمريكي: مخاض العزلة الشاملة

مقال تحليلي بقلم د. علاء أبوعامر يسلط الضوء على تداعيات العزلة الدولية والفيتو الأمريكي وتأثير الحراك الشعبي العالمي في تفكيك شبكة المصالح.

بين المقاطعة الدولية والفيتو الأمريكي: مخاض العزلة الشاملة
بين المقاطعة الدولية والفيتو الأمريكي: مخاض العزلة الشاملة

بقلم:د. علاء أبوعامر 

في أروقة التاريخ المعاصر، تنسج السياسة الدولية خيوطها المعقدة ببراعة تحركها المصالح وتصيغها التحالفات الراسخة، وفي خضم الأحداث المتسارعة والقرارات الدبلوماسية المتبادلة، يبدو أن المشهد يتجه نحو مخاض جديد يقلب الموازين الراسخة. فالإجراءات الانتقامية الأخيرة التي شهدتها الساحة الدولية، من طرد للممثلين وإغلاق للبعثات الدبلوماسية، لم تكن مجرد ردود فعل عابرة، بل كانت تعبيراً حياً عن عمق الصدع الذي بدأ يتسع في جدار الصمت الدولي، ليقترب تدريجياً من محاكاة العزلة التاريخية الكبرى التي عاشتها الأنظمة العنصرية البائدة في القرن الماضي.

على مدار العقود الماضية، تشكلت في الغرب مظلة دبلوماسية واقتصادية متينة، صُنعت في كواليس العواصم الكبرى، لتعمل كحجر عثرة أمام أي حراك أممي يهدف إلى فرض عقوبات حقيقية أو تحقيق عدالة ملموسة للشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال الصهيوني الاحلالي. هذه المظلة، التي تتغذى على توازنات القوى وحسابات المصالح الضيقة، أوجدت حالة من الحصانة الدائمة ضد الإرادة الدولية الجمعية، مما جعل الخطوات الرسمية الإقليمية تبدو في كثير من الأحيان خجولة ولا تتعدى حدود البيانات الإنشائية، في حين تأتي التحركات الأكثر جرأة من أطراف دولية كانت تُحسب يوماً على قائمة الحلفاء التقليديين.

الرهان اليوم يتأرجح بين ثابتين؛ عواصم كبرى وواشنطن تحتكر القرار وتمتلك حق النقض لمنع التغيير الجذري بغض النظر عن الحزب الحاكم، وبين حراك متصاعد في الشارع العالمي والمؤسسات الأكاديمية والمنظمات الحقوقية، حيث يتشكل وعي عابر للقارات يرفض استمرار الدعم الأعمى. هذا التدافع يعيد صياغة المشهد ببطء، فالجدار الذي بدا عصياً على الانكسار تظهر فيه اليوم شروخ لا يمكن التغاضي عنها، حتى وإن ظلت القوى المهيمنة تحاول جاهدة تأخير لحظة السقوط الحتمية للأقنعة.

إن التحولات التاريخية لا تحدث بين ليلة وضُحاها، بل تصنعها تراكمات المواقف وعجز القوى الكبرى عن تبرير سياساتها أمام شعوبها. ورغم أن الكوابح السياسية والدبلوماسية في العواصم الكبرى لا تزال تمثل الدرع الحامي لسياسات الأمر الواقع، إلا أن عجلة التاريخ تتحرك نحو الأمام، والعزلة المتصاعدة تشير إلى أن حجر العثرة الحالي قد يتحول في نهاية المطاف إلى العتبة التي يتعثر فوقها النظام الدولي القديم.

يبقى القول إن الرهان الحقيقي في قادم الأيام ليس على التغيرات الموسمية في طاولات الحكم الغربية أو التفاهمات الإقليمية الهشة، بل على مدى قدرة الضغط الأخلاقي والشعبي العالمي على تفكيك شبكة المصالح الاستراتيجية والعسكرية التي تدير دفة السياسة الدولية الحالية.