العلاقات اللبنانية الصهيونية قبل عام 1948 مسارات تاريخية واتصالات سرية
استعراض شامل ومفصل لمسارات العلاقات التاريخية والاتصالات السرية بين النخب اللبنانية والحركة الصهيونية قبل عام 1948 استناداً إلى الوثائق والأرشيفات الرسمية.
مقدمة وتوثيق تاريخي شامل لملف العلاقات والأراضي
تعد دراسة العلاقات التاريخية بين لبنان والمشروع الصهيوني قبل عام 1948 من أكثر المواضع إثارة للجدل والتعقيد في التاريخ السياسي للشرق الأوسط. على الرغم من أن الدولة اللبنانية لم تشارك بشكل فاعل في الحرب العربية - الإسرائيلية الأولى عام 1948، بل اكتفت بدور رمزي محدود، إلا أن الأبحاث التاريخية والوثائق المرفوع عنها السرية تشير إلى وجود علاقات مبكرة ومعقدة، فضلاً عن شبكات واسعة من المصالح المالية والعقارية التي شملت عائلات إقطاعية وبيروتية بارزة قامت ببيع مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية للوكالة اليهودية. يهدف هذا المقال الشامل إلى دمج واستعراض كافة التفاصيل والأسماء والعائلات التي وردت في السياق التاريخي، بما في ذلك الاتصالات السياسية، المعاهدات السرية، ودور العائلات الإقطاعية والسياسية مثل عائلة سلام في المشهد العام.
الخلفية التاريخية والسياسية للعلاقات المبكرة
تزامنت نشأة دولة لبنان الكبير عام 1920 مع الفترة التي كانت فيها الحركة الصهيونية تسعى لتوطيد أقدامها في فلسطين تحت الانتداب البريطاني. وفي تلك الأثناء، كانت النخبة المارونية في لبنان تواجه تحديات سياسية واجتماعية معقدة، أهمها التحفظ على فكرة الاندماج في فضاء عربي أو سوري موحد. من هنا، نشأ توجه سياسي استراتيجي لدى بعض الزعماء الموارنة رأى في الكيان اليهودي المحتمل حليفاً طبيعياً ومحمياً للكيان اللبناني الذي تصوره البعض كـ"وطن مسيحي" مستمداً من إرث الحضارة الفينيقية. تبلور هذا التوجه فيما عُرف نظرياً بـ "تحالف الأقليات"، وهو تصور طرحته الصهيونية وعزز من قبل بعض السياسيين اللبنانيين. فرأت الحركة الصهيونية في الموارنة حليفاً استراتيجياً في مواجهة العروبة الإسلامية، بينما رأى الموارنة في المشروع الصهيوني ضمانة أمان وتوازناً إقليمياً يحمي استقلال لبنان وهويته الخاصة.
المعاهدة المارونية - الصهيونية لعام 1946
تعد المعاهدة السرية الموقعة في 30 مايو 1946 في القدس الذروة الأبرز في العلاقات المارونية - الصهيونية المبكرة. وقعت هذه المعاهدة نيابة عن البطريرك الماروني أنطوان عريضة من قبل الشيخ توفيق عوض ونيابة عن الوكالة اليهودية من قبل برنارد جوزيف. وتُمثل هذه الوثيقة، المحفوظة في الأرشيف الصهيوني المركزي تحت الرقم 525/3269 شاهداً مادياً على عمق هذه الاتصالات. نصت المعاهدة على اعتراف الطرف الأول، المتمثل بالبطريركية المارونية، بالحق التاريخي لليهود في فلسطين وتأييد برنامجهم السياسي بما في ذلك إقامة دولة يهودية. في المقابل، اعترفت الوكالة اليهودية باستقلال لبنان واحترمت طابعه الحالي وحدوده، مؤكدة أن برنامجها التوسعي لا يشمل لبنان، كما تعهد الطرفان بتقديم المساعدة المتبادلة على المستويات السياسية والتجارية والأمنية والاجتماعية. ورغم توقيع هذه المعاهدة، إلا أنها بقيت حبراً على ورق بسبب وفاة البطريرك عريضة ونشوب حرب عام 1948.
دور عائلة سرسق وعائلات الإقطاع في صفقات الأراضي الفلسطينية
تُبين الوثائق التاريخية وأرشيفات الحركة الصهيونية أن عائلة سرسق (المعروفة باحتكارها لملكية واسعة من الأراضي في مرج بن عامر وفلسطين التاريخية أثناء العهد العثماني وبداية الانتداب) كانت في صدارة العائلات التي أبرمت صفقات عقارية كبرى مع المؤسسات الصهيونية مثل "الوكالة اليهودية" و"صندوق الكيرين كييمت". قامت العائلة ببيع آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية الخصبة في مناطق مثل مرج بن عامر، مما أدى إلى إخلاء القرى الفلسطينية التي كانت تقطنها واعتبرت هذه الصفقات من أكبر الضربات الديموغرافية والزراعية للوجود الفلسطيني قبل عام 1948، حيث مكنت الحركة الصهيونية من تثبيت مستوطنات كبرى وتوسيع رقعتها الاستراتيجية.
الشخصيات اللبنانية والعائلات المتعاونة في الاتصالات وصفقات الأراضي
عائلة سرسق
عائلة إقطاعية ذات نفوذ واسع ومالكة لأراضي شاسعة في فلسطين ولبنان خلال العهد العثماني والانتداب. لعبت دوراً محورياً في تاريخ صفقات الأراضي الفلسطينية من خلال بيع مئات الآلاف من الدونمات، وخاصة في مرج بن عامر، للوكالة اليهودية وصندوق الاستيطان اليهودي "كيرين كييمت"، مما أدى إلى تهجير آلاف الفلاحين الفلسطينيين من قراهم. حققت العائلة ثروات طائلة جراء هذه الصفقات التي اعتبرت ركيزة أساسية في تمكين المشروع الصهيوني من الاستيطان وتأسيس الدولة العبرية ديموغرافياً وجغرافياً.
عائلة سلام
عائلة سياسية وتجارية بيروتية بارزة، كان لها حضور واسع ومؤثر في المشهد السياسي والوطني اللبناني. على الرغم من الخطاب الوطني والرسمي المعلن للعديد من الزعامات المسلمة والوطنية في لبنان الداعم للعروبة والمناهض للتقسيم، تشير الوثائق والمتابعات التاريخية إلى وجود تشابكات اقتصادية وتعاملات تجارية ومالية معقدة لبعض الشخصيات والشبكات الرأسمالية المرتبطة ببيروت والمدن الفلسطينية الساحلية في تلك الحقبة، مما جعلها طرفاً في شبكة المصالح المتقاطعة التي ربطت النخب اللبنانية بالتحولات الإقليمية الكبرى قبل عام 1948.
البطريرك أنطوان عريضة
البطريرك الماروني الذي شغل منصبه خلال فترة حرجة من تاريخ لبنان والانتداب الفرنسي. تبنى عريضة توجهاً استراتيجياً يرى في التحالف مع الحركة الصهيونية ضمانة لوجود واستقلال لبنان ككيان مسيحي في مواجهة المد العروبي الإسلامي. وتوجت هذه السياسة بتوقيع "المعاهدة المارونية - الصهيونية" السرية في 30 مايو 1946 بالقدس، والتي وقعها نيابة عنه الشيخ توفيق عوض مع برنارد جوزيف ممثلاً عن الوكالة اليهودية. نصت الاتفاقية على تبادل الدعم السياسي والأمني وتسهيل هجرة اليهود عبر لبنان، لكنها لم تُنفذ بسبب وفاته واندلاع حرب 1948.
إميل إده
رئيس الجمهورية اللبنانية الأسبق (1936-1941) وزعيم الكتلة الوطنية. كان من أبرز دعاة "الفينيقية" والتمايز عن العرب، وسعى جاهداً لإنشاء "وطن مسيحي" (foyer chrétien) في لبنان تحت الحماية الفرنسية. تواصل إده مع الوكالة اليهودية منذ ثلاثينيات القرن العشرين، والتقى الزعيم الصهيوني حاييم وايزمان عام 1937، طالباً من بريطانيا توقيع معاهدة حسن جوار بين لبنان والكيان اليهودي المرتقب، معتبراً أن الصهيونية يمكن أن تكون حليفاً طبيعياً للموارنة.
نجيب صغير
مثقف وسياسي لبناني عمل ممثلاً للبطريرك عريضة. التقى بحاييم وايزمان عام 1919 وطرح فكرة تقسيم المنطقة على أسس طائفية وعرقية، مقترحاً لبنان للمسيحيين، وسوريا للمسلمين، وفلسطين لليهود، في رؤية مبكرة لتحالف الأقليات وتبرير المشاريع الاستعمارية والصهيونية.
البطريرك إلياس الحويك
البطريرك الماروني الذي رأس الوفد اللبناني إلى مؤتمر السلام بباريس عام 1919. التقى ممثلين عن الوكالة اليهودية في سياق استراتيجيته السياسية لضمان الاعتراف بكيان لبنان الكبير المستقل وتحديد حدوده، معتبراً التواصل معهم جزءاً من المناورات الدبلوماسية في تلك الفترة.
المطران أغناطيوس مبارك
مطران بيروت للموارنة والمعروف بمواقفه المتشددة المعادية للعروبة والمؤيدة للصهيونية. في فبراير 1949، أرسل ثلاثة موفدين إلى إسرائيل لاستكشاف إمكانية دعم انقلاب عسكري ضد الرئيس بشارة الخوري بهدف إقامة نظام مسيحي موالٍ لإسرائيل. رحبت الخارجية الإسرائيلية بالفكرة ولكنها طالبت بخطة مفصلة وقوى فاعلة، إلا أن المخطط فشل لعدم توفر الدعم الكافي لأي حركة انفصال مارونية.
الأب يوسف عواد (أبو يوسف عواد)
راهب ماروني لعب دور الوسيط في إنشاء علاقات مع حزب الكتائب اللبنانية في أمريكا وطلب دعماً مالياً وعسكرياً من مندوبين صهاينة لإقامة كيان ماروني مستقل في لبنان.
محمد عبد الله
زعيم إقطاعي وسياسي من منطقة جبل عامل. نُسب إليه قبول صفقة لبيع مساحات من الأراضي للوكالة اليهودية في المنطقة الحدودية بين لبنان وفلسطين خلال فترة الانتداب، مما ساهم في تعزيز الوجود الصهيوني قرب الحدود اللبنانية.
خير الدين الأحدب
رئيس الوزراء اللبنانية (1937-1938)، وهو أول مسلم يشغل هذا المنصب في عهد الانتداب الفرنسي. سعى الأحدب لاستخدام الدعم المالي اليهودي كورقة ضغط سياسية في صراعه ضد خصومه المحليين، ولا سيما المفتي الحاج أمين الحسيني الذي كان يقيم في بيروت. طلب من موشيه شرتوك (شاريت لاحقاً) دعماً مالياً لتأسيس صحيفة مناهضة للمفتي، وعرض في المقابل تقديم ضمانات أمنية للمستوطنات اليهودية على الحدود اللبنانية.
رياض الصلح
أحد أبرز رجالات الاستقلال ورئيس وزراء لبنان عدة مرات. رغم كونه رمزاً للعروبة والوطنية اللبنانية الرسمية، إلا أن وثائق وأرشيفات تلك الحقبة تشير إلى وجود اتصالات مبكرة قبل عام 1948. استُغل اسمه لاحقاً في اتهامات بتعاون سري مع الإسرائيليين، وهو ما أسهم بشكل مباشر في اغتياله عام 1951.
بشارة الخوري
أول رئيس للجمهورية اللبنانية بعد الاستقلال (1943-1952). اتهم من قبل خصومه، ولا سيما المطران مبارك وأنصار إميل إده، بالانفتاح المبكر على العرب وتبني مواقف غير صدامية لضمان القبول الغربي والأمريكي للكيان اللبناني، مما أدى إلى محاولات انقلابية ضده بدعم إسرائيلي.
ألبير نقاش
سياسي ومثقف لبناني ماروني ومنظّر للتيار الفينيقي. دعا صراحة إلى تقارب حضاري وسياسي بين الموارنة والصهاينة، واصفاً الصهيوني بأنه "الفينيقي اللبناني"، وقدم خطاباً فكرياً متعاطفاً مع المشروع الصهيوني ومعتبراً إياه حليفاً حضارياً متمايزاً عن المحيط العربي.
جورج نقاش
صحافي بارز ومؤسس صحيفة "لوريون" (L'Orient) الناطقة بالفرنسية. أبدى إعجاباً مبكراً بالمشروع الصهيوني وتبناه في كتاباته الصحافية، مروجاً لأفكار التقارب والتعايش بين "الأقليات" في المنطقة.
إلياس حرفوش
صاحب جريدة "الحديث" البيروتية. التقى بمندوبين صهاينة عدة مرات لمناقشة التقارب المحتمل بين لبنان والكيان اليهودي الناشئ.
إلياس رابي
من كوادر حزب الكتائب اللبنانية. التقى ممثلين صهاينة وطلب تمويلاً لأنشطة الحزب، مما أدى إلى دفع مبلغ 2000 دولار له من وزارة الخارجية الإسرائيلية كدعم للحزب.
سلوم مكرزل
رئيس الجالية المارونية في الولايات المتحدة وناشر مجلة "الهدى" الأمريكية. لعب دوراً في دعم المشروع الصهيوني في أوساط المهاجرين اللبنانيين في أمريكا، داعياً إلى خلق تحالف استراتيجي مع المسيحيين في الشرق الأوسط.
الدوافع والتحديات والنتائج وعمليات الأراضي
تباينت دوافع هذه الشخصيات والعائلات في الانفتاح على الصهيونية؛ ففي الوقت الذي كان الدافع الاستراتيجي والعسكري طاغياً على بعض الزعماء الموارنة كالبطريرك عريضة وإميل إده، كان الدافع سياسياً داخلياً عند شخصيات مثل خير الدين الأحدب، بينما تورط كبار الإقطاعيين مثل عائلة سرسق في شبكات بيع الأراضي الواسعة لتحقيق أرباح مالية طائلة. ورغم أن الغالبية الساحقة من الشعب اللبناني رفضت أي تعاون مع المشروع الصهيوني، مما دفع الزعامات للعمل سراً، إلا أن التواطؤ أفرز تداعيات خطيرة تجلت في حرب 1948 وعملية "حيرام"، حيث احتلت القوات الإسرائيلية 15 قرية في جنوب لبنان حتى نهر الليطاني وارتكبت مذبحة الحولة.
مفاوضات الهدنة وخطة الانقلاب 1949
تعد مفاوضات الهدنة التي بدأت في رأس الناقورة أوائل عام 1949 فصلاً آخر، حيث أفادت مصادر تاريخية بأن المفاوضين اللبنانيين أخبروا الإسرائيليين سراً أنهم "ليسوا عرباً حقاً"، ونوقش احتمال إقامة علاقات دبلوماسية. وفي فبراير 1949، أرسل المطران أغناطيوس مبارك ثلاثة موفدين إلى إسرائيل لبحث دعم انقلاب ضد الرئيس بشارة الخوري بسبب دعمه لدمج لبنان في العالم العربي، ورغم الترحيب المبدئي من الخارجية الإسرائيلية، إلا أن الخطط باءت بالفشل بعد تقييم موشيه شاريت بأن القوى ليست كافية لإقامة دولة مارونية خالصة.
خاتمة
تظهر الوثائق والشخصيات والعائلات المستعرضة أن العلاقات اللبنانية - الصهيونية وملفات بيع الأراضي لم تكن وليدة لحظتها، بل امتلت جذورها إلى العقود الأولى من القرن العشرين. كانت هذه التفاعلات تعبيراً عن انقسامات عميقة ومصالح إقطاعية ومالية عابرة للحدود تركت إرثاً سياسياً معقداً أثر في مسار تاريخ المنطقة لسنوات طويلة.
المراجع التاريخية
- Harris, William W. "Lebanon: A History, 600-2011". Oxford University Press, 2012.
- "The Maronite-Zionist Treaty Of 1946 (Text)". Moulahazat Blog. الأرشيف الصهيوني المركزي 525/3269.
- Massad, Joseph. "Why do Lebanese leaders keep courting Israel?". Middle East Eye, 16 أبريل.
- Abramson, Scott. "The Promise and Failure of the Zionist-Maronite Relationship". Brandeis University, 2012.
- Kessler, Oren. "Israel and Lebanon: Once almost-allies, now at war... again". Substack, 1 أبريل.
- Zisser, E. "The Maronites, Lebanon and the State of Israel: Early Contacts". Middle Eastern Studies, 1995.
- Schulze, K. "The Idea of an Alliance: Israeli-Maronite Relations, 1920s-1948". Palgrave Macmillan, 2014.
- Kaufman, A. "Phoenicianism: The Formation of an Identity in Lebanon in 1920". Middle Eastern Studies, 2001.
- Eisenberg, Laura Zittrain. "My Enemy's Enemy: Lebanon in the Early Zionist Imagination, 1900-1948". Cambridge University Press, 2007.
- "Desperate diplomacy: The Zionist-Maronite Treaty of 1946". Studies in Zionism, 1992.
- "The Battle for South Lebanon". Leiden University, 2000.
المصدر: يلا نيوز نت
تاريخ النشر: 2026-07-28