بين انتفاضة الشارع وحسابات القصور: مرآة المواقف في حرب الإبادة

بين انتفاضة الشارع العربي والغربي وسياسات الأنظمة في ظل حرب الإبادة في غزة ولبنان، مقال تحليلي للدكتور علاء أبو عامر يكشف فجوة الوعي والمواقف.

بين انتفاضة الشارع وحسابات القصور: مرآة المواقف في حرب الإبادة
بين انتفاضة الشارع وحسابات القصور: مرآة المواقف في حرب الإبادة

بقلم:د. علاء أبوعامر 

تضع الحرب المستمرة في قطاع غزة ولبنان واحتلال اجزاء من سوريا، العالم بأسره أمام اختبار أخلاقي وسياسي كاشف. وفي هذا المشهد الدامي، تتبدى مفارقة صارخة عند عقد مقارنة بين الشعوب والأنظمة، في الغرب وفي الشرق والمغرب العربي، حيال التعامل مع الكيان الصهيوني. هذه المقارنة لا تكشف فقط عن تباين في السياسات، بل عن فجوة عميقة في الوعي وبنية اتخاذ القرار.

في الغرب، يظهر شرخ واضح بين الموقف الشعبي والموقف الرسمي. فالشعوب الغربية، وخصوصا فئات الشباب وطلبة الجامعات العريقة، قادت حراكا غير مسبوق تجاوز مجرد التنديد إلى تبني خطوات عملية مثل المقاطعة الأكاديمية والاقتصادية، والضغط لفرض حظر على منتجات المستوطنات. هذا الحراك الشعبي، المدفوع بحس إنساني وحقوقي، نجح في إجبار بعض الحكومات الغربية على مراجعة مواقفها، مما أثمر عن اعتراف دول أوروبية بالدولة الفلسطينية، واتخاذ إجراءات تقييدية ضد الاحتلال. ومع ذلك، تظل الأنظمة الغربية الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، متمسكة بحبل الوريد الذي يمد الكيان بالسلاح والغطاء السياسي، محكومة بجماعات الضغط والمصالح الاستراتيجية، مما يجعلها شريكة في المسؤولية عن هذه الإبادة رغم كل الحراك الشعبي المحيط بها.

أما في الفضاء العربي، فإن المشهد يبدو مقلوبا ومثيرا للأسى. الشعوب العربية تعيش حالة من الغليان العاطفي والوجع المكبوت، وتعلن تضامنها الكامل والمطلق مع القضية، معتبرة إياها قضية وجودية لا تقبل المساومة. لكن هذا النبض الشعبي يصطدم بجدار صلب من التقييد، مما يمنعه من التحول إلى فعل سياسي مؤثر أو ضغط حقيقي على مراكز القرار. وفي المقابل، تتبنى الأنظمة العربية نهج "الواقعية السياسية" أو المصلحة النفعية الضيقة. فبينما تقف المنطقة على صفيح ساخن، تواصل عواصم عربية تعميق مسار التطبيع، وتبادل السفراء، وتفعيل الاتفاقيات الأمنية والعسكرية، تحت مبررات الحفاظ على قنوات الاتصال والوساطة، أو حماية الأمن القومي الخاص. وهي تبريرات تسقط تلقائيا أمام واقع التدمير الشامل والتهجير الذي يطال المنطقة بأسرها، دون أن تفلح هذه القنوات في إدخال المساعدات الكافية أو لجم العدوان.

إن المقارنة تكشف عن معادلة مقلوبة: في الغرب، تضغط الشعوب الحرة لتعديل بوصلة أنظمتها المتواطئة وتنجح جزئيا في محاصرة الاحتلال؛ وفي الشرق، تكبح الأنظمة إرادة شعوبها الحية، وتكافئ الاحتلال بفتح الأبواب له في اللحظة التي يمارس فيها أبشع ممارسات التطهير العرقي.

لقد بلغت المفارقة أوجها حين تجاوز التنسيق الغرف الدبلوماسية المغلقة إلى أروقة القيادات العسكرية؛ إذ كشفت التقارير الدولية مؤخراً عن لقاء أمني سري عُقد في ألمانيا، جمع بين رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي إيال زامير وقادة عسكريين ورؤساء أركان من عدة دول عربية، برعاية القيادة المركزية الأمريكية. هذا الاجتماع، الذي خُصص لبحث الحرب مع إيران والتصعيد الإقليمي، شهد قيام زامير بتقديم إحاطة واستعراض لعمليات جيشه على مختلف الجبهات. إنه تجسيد عملي لواقع مؤلم، حيث يلتقي المخطط والمنفذ لعمليات التدمير مع قادة جيوش المنطقة للبحث في ترتيبات أمنية مشتركة، بينما دماء الضحايا لم تجف بعد.

إن ما يحدث اليوم يتجاوز حدود الفشل الدبلوماسي إلى مرحلة السقوط الأخلاقي والتاريخي الكامل. عندما يستعرض رئيس أركان جيش الاحتلال "زامير" عمليات جيشه أمام قادة جيوش عربية في ألمانيا، بينما طائراته تبيد الحجر والبشر في غزة وبيروت، فإن الحديث عن "الواقعية السياسية" يتحول إلى غطاء للعجز، بل والتواطؤ. إن الأمة التي يجلس قادة عسكرها للاستماع إلى إحاطات القاتل وهي تشاهد أشلاء أبنائها على الشاشات، هي أمة تخون حاضرها وتصنع ذلها بيديها، وسيذكر التاريخ أن قطار التنسيق والتطبيع العربي سار فوق جثث الضحايا ودماء الأبرياء دون خجل أو وجل.