تحت قبة الكونغرس: زلزال الحزب الديمقراطي وملامح الخارطة التشريعية القادمة
أبعاد تصويت الديمقراطيين ضد مشروع القانون H.R. 4795، وكيف يعيد اليسار التقدمي صياغة السياسة الخارجية الأمريكية وتوازنات الكونغرس القادم.
بقلم:د. علاء أبوعامر
لم يكن تصويت الأغلبية الساحقة من النواب الديمقراطيين ضد مشروع القانون "H.R. 4795" مجرد اعتراض تشريعي عابر، بل جاء ليعلن عن تحول بنيوي تاريخي يعيد صياغة هوية الحزب ومواقفه التقليدية تجاه الشرق الأوسط. إن وقوف مئة وسبعة وستين نائباً ديمقراطياً في خندق الرفض يمثل نقطة تحول حاسمة؛ إذ تحولت المعارضة لسياسات الترهيب الفكري المدافعة عن إسرائيل من صوت تقدمي خجول إلى تيار مركزي جارف يقود الموقف الرسمي لكتلة الحزب في مجلس النواب.
هذا التحول الجذري تحت قبة الكابيتول لم يأتِ من فراغ، بل هو الصدى المباشر للزلازل السياسية التي شهدتها جولات الانتخابات التمهيدية الأخيرة. فوز مرشحي اليسار التقدمي المؤيدين للعدالة وإنصاف الفلسطينيين في تلك الجولات بعث برسالة شديدة اللهجة إلى القيادات التقليدية؛ مفادها أن القواعد الشعبية للحزب، وخاصة جيل الشباب والمنظمات الحقوقية، لم تعد تقبل بالدعم الأعمى وتطالب بربط المساعدات والسياسات بالقيم الإنسانية والقوانين الدولية. لقد منحت هذه الاندفاعة الانتخابية النواب الحاليين غطاءً سياسيًا شجاعًا وجرأة غير مسبوقة لتحدي جماعات الضغط، مستندين إلى شرعية شعبية متنامية بدأت تزيح مراكز القوى القديمة داخل الحزب.
إن هذا المشهد يمنحنا تصورًا دقيقًا ومبكرًا لما ستكون عليه التوازنات السياسية في الكونغرس القادم. ففي حال تمكن هؤلاء المرشحون من حسم معاركهم والوصول إلى مقاعدهم في انتخابات التجديد النصفي، فإننا سنكون أمام مؤسسة تشريعية مغايرة تمامًا. لن تعود واشنطن الساحة الآمنة لتمرير القوانين المصممة خصيصًا لحماية إسرائيل من النقد. وبدلاً من السياسات العقابية ضد الجامعات، قد نشهد لأول مرة مشاريع قوانين تطالب بمساءلة حقيقية حول أوجه صرف المساعدات الأمريكية، وفرض معايير حقوق الإنسان كشرط أساسي لأي تحالف خارجي.
إن تصويت الأغلبية الديمقراطية ضد تسييس أموال التعليم يعكس يقظة تشريعية ترى في حماية الحريات الدستورية الأمريكية أولوية قصوى لا يمكن التضحية بها لترضية قوى أجنبية.
ويمكن تلخيص أبرز الاستنتاجات الإستراتيجية للمرحلة المقبلة في الآتي:
أولاً: انتقال الثقل داخل الحزب الديمقراطي، حيث نجح التيار التقدمي في تحويل القضية الفلسطينية من ملف خلافي هامشي إلى معيار أساسي يحدد هوية الحزب ومستقبله السياسي.
ثانياً: تراجع سطوة الترهيب السياسي، إذ أثبت التصويت الجماعي لغالبية الديمقراطيين أن التهديد بحملات التخوين والتمويل المضاد لم يعد كافيًا لإخضاع النواب، طالما أنهم يستندون إلى قواعد انتخابية شابة ووعي شعبي متزايد.
ثالثاً: ملامح كونغرس مغاير، فإذا تُرجمت نجاحات اليسار في الانتخابات التمهيدية إلى مقاعد داخل الكونغرس القادم، فإن السياسة الخارجية الأمريكية ستدخل مرحلة من المراجعة التاريخية غير المسبوقة، لتصبح أكثر توازنًا وأقل انصياعًا لسياسات فرض الإرادة.
في النهاية، يضع هذا التحول التاريخي النخبة السياسية في واشنطن أمام حقيقة جديدة لا يمكن التغاضي عنها؛ وهي أن الاستثمار في إسكات النقد وتمرير التشريعات القسرية لم يعد يحمي التحالفات الخارجية، بل أصبح يهدد السلم المجتمعي والمنظومة الدستورية الأمريكية في عقر دارها. إن القوة الصاعدة داخل الحزب الديمقراطي والمصحوبة بوعي شبابي وأكاديمي متزايد، تؤكد أن التغيير القادم في السياسة الخارجية الأمريكية لم يعد مجرد احتمال، بل مسألة وقت ستعجز معها جماعات الضغط التقليدية عن فرض صيغتها القديمة للإجماع الأعمى.