مفارقة الوجود والرحيل: قراءة في فخاخ الرغبة الأمريكية وواقعية الملاذ الخليجي

قراءة في تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس حول الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط وتداعياتها على أمن الخليج.

مفارقة الوجود والرحيل: قراءة في فخاخ الرغبة الأمريكية وواقعية الملاذ الخليجي
مفارقة الوجود والرحيل: قراءة في فخاخ الرغبة الأمريكية وواقعية الملاذ الخليجي

بقلم:د. علاء أبوعامر 

لم تكن التصريحات الأخيرة التي أطلقها نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس مجرد مكاشفة سياسية عابرة، بل جاءت لتعري التناقضات الكامنة في عمق الاستراتيجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط. فحين يقف مسؤول رفيع المستوى ليعلن أن واشنطن قادرة عسكرياً على حزم حقائبها ومغادرة المنطقة، لكن العواصم الخليجية تتشبث برداء بقائها خوفاً من المجهول، فإنه لا يصف واقعاً فحسب، بل يمارس نوعاً من الابتزاز السياسي المغلف بعباءة حماية التجارة الدولية وتأمين شريان الطاقة العالمي في مضيق هرمز. ورغم ما تبدو عليه هذه القراءة من واقعية، إلا أنها تخفي خلف سطورها حسابات معقدة تتداخل فيها الهيمنة بالتهرب من المسؤولية، وتتعارض فيها الوعود العلنية بالتحركات السرية.

إن ادعاء القدرة على الانكفاء يرتطم أولاً بصخرة المصالح الأمريكية الحيوية قبل مصالح حلفائها؛ فالولايات المتحدة لم تختر البقاء في مياه الخليج استجابة لاستجداء إقليمي، بل لأن هذا الوجود هو الرافعة الأساسية لنفوذها العالمي وحاجز الصد الأول الذي يمنع قوى عظمى منافسة، كالصين وروسيا، من ملء الفراغ وإعادة صياغة النظام الدولي من قلب الجزيرة العربية. ومن هنا، تبدو سردية الاضطرار للبقاء بمثابة قناع أخلاقي لتبرير هيمنة لا تود واشنطن خسارتها، ومحاولة ذكية لإلقاء كلفة الأمن وتبعاته السياسية على كاهل الشركاء المحليين.

من جانب آخر، يبرز تفكيك فانس لطبيعة المواجهة مع إيران ليؤكد خطأ المقاربة الأمريكية القائمة على الإفراط في القوة والقصور في الدبلوماسية. فحين يختزل الأزمة في السيطرة العسكرية على الممرات المائية، متجاهلاً أن الأمن المستدام لا يصنع بحشد البوارج بل بتصفير الأزمات، فإنه يرسخ لمعادلة صفرية لا تنتج إلا مزيداً من الاستنزاف. كذلك جاء حديثه عن "تحركات سرية" لدول المنطقة تهدف لعزل طهران اقتصادياً ليمثل حرجاً ديبلوماسياً لعواصم خليجية كبرى، كالسعودية والإمارات، والتي استثمرت سنوات طويلة في بناء نهج تصالحي مرن يقوم على الحوار الإقليمي المباشر لحماية خططها التنموية، بعيداً عن سياسة الإقصاء التام التي تحاول واشنطن فرضها تحت مسمى عملية المنبوذ الاقتصادي.

وفي محاولة لتهدئة روع الناخب الأمريكي القلق من التورط في مستنقع جديد، يصر فانس على تسمية ما يحدث بأنه ليس حرباً، متغافلاً عن حقيقة أن حروب العصر الحديث لم تعد بحاجة لإعلانات رسمية أو جيوش تقليدية تتصادم وجهاً لوجه، بل هي حرب استنزاف هجينة ومستمرة عبر الممرات المائية والوكلاء، تظل نيرانها تحت الرماد مهددة بالانفجار في أي لحظة.

في الختام، يمكن الاستنتاج بأن معضلة الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط لم تعد خياراً تكتيكياً بل قدراً جيوسياسياً يصعب التحلل منه، إذ يظهر بوضوح أن شعارات الانكفاء والرحيل تصطدم دائماً بحتمية البقاء لحماية الهيمنة الأمريكية نفسها. كما يستنتج من التحولات الأخيرة أن الاتكال الإقليمي على المظلة الأمنية الأمريكية بات يواجه اهتزازاً في الثقة نتيجة التقلبات المزاجية في السياسة الداخلية للبيت الأبيض، الأمر الذي يدفع العواصم الخليجية حكماً نحو استنتاج أخير بضرورة تنويع شراكاتها الدولية، والسعي الحثيث لبناء منظومة أمن جماعي ذاتي تقودها دول المنطقة بنفسها، لتكون هي الضامن الحقيقي لاستقرارها بعيداً عن وعود الراعي الأمريكي الحذر والشروط التي تمليها مصالحه المتبدلة.