جغرافية فلسطين السُّكانية وخارطتها العقائدية: من العصور القديمة إلى الفتح الإسلامي
تعرف على العمق التاريخي لجغرافية فلسطين السكانية وتنوع خارطتها العقائدية من العصور القديمة وصولاً إلى ما قبل الفتح الإسلامي في بحث توثيقي.
بقلم: د. علاء أبوعامر
تُمثّل فلسطين عبر التاريخ ملتقى حضاريًا وجغرافيًا فريدًا، شهد تدفقًا مستمرًا للهجرات والقبائل العربية والكنعانية التي طبعت أرضها بهويتها الأصيلة. يكشف التتبع التاريخي والتوثيق الحاضر في كتابات المؤرخين الكلاسيكيين (الإغريق والرومان) والحوليات القديمة عن جغرافية بشرية ودينية متماسكة، تداخلت فيها العبادات الوثنية الكنعانية مع العقائد الدينية العربية والفرق المتعددة، وصولًا إلى التحولات الدينية الكبرى قبيل الفتح الإسلامي.
أولًا: جغرافية فلسطين البشرية ومعابدها في شهادات المؤرخين الكلاسيكيين
قدم المؤرخون الإغريق والرومان، وفي مقدمتهم "أبو التاريخ" هيرودوت، شهادات حاسمة حول البنية السكانية لفلسطين في جولاتهم ومشاهداتهم القديمة:
- مشاهدات هيرودوت (القرن الخامس ق.م): سجل هيرودوت في كتاباته التاريخية أنه لم يجد في فلسطين من سكان سوى العرب والكنعانيين الذين ذكرهم بالاسم كأصحاب الأرض والسكان الأصليين. وأوضح أن الساحل الفلسطيني كان كنعانيًا بالكامل، باستثناء مدينة غزة التي كانت تمثل خليطًا كنعانيا عربيا سكانيًا وتجاريًا متميزًا. كما وصف المعابد الساحلية (مثل معبدي عسقلان وصور) مبرزًا عظمتها وعراقتها وضخامة أبنيتها.
- الجليل في جغرافية سترابو: وصف الجغرافي الإغريقي الشهير سترابو منطقة الشمال بـ "جليل العرب"، مؤكدًا الكثافة السكانية العالية للقبائل العربية في تلك البقاع ومحيطها الجغرافي.
- النقب والجنوب: كانت هذه المناطق الموطن التاريخي الطبيعي للممالك والقبائل العربية المشهورة، وفي مقدمتهم الأنباط، والقبائل القيدارية، والأدومية، والثمودية.
- السامرة والحوليات الآشورية: تؤكد النصوص المسمارية في الحوليات الآشورية (لا سيما في عهد سرجون الثاني) أن منطقة السامرة نابلس وجنين طولكرم وقلقيلية وغيرها (وسط وشرق فلسطين) كانت موطنًا لقبائل ثمود وعديد من القبائل العربية الأخرى التي نُقلت أو استقرت هناك تاريخيًا.
- القدس وجوارها في التراث التاريخي والتوراة: يُشير العهد القديم في نصوصه التاريخية إلى أن القدس وجوارها كانت في فترات عديدة موطنًا لقبائل قيدار العربية بزعامة جشم العربي (الذي عارض بناء السور مع نحميا) إلى جانب القبائل النبطية والأدومية.
- بيسان والداخل: استوطنت فيها قبائل عربية قديمة وعريقة مثل كندة وجذام وغيرها من البطون الحِميرية والكهلانية قبل الإسلام بقرون.
- الخليل (حبرون) والأدوميون: كانت الخليل موطنًا للعرب الأدوميين منذ أقدم العصور. ومن المنظور الجغرافي البحت، فإن الملك داود -عند ربطه بموطنه السياسي الأول في حبرون التي حكمها أولًا بحسب رواية العهد القديم- يرتبط بالعمق الجغرافي والسكان الأدوميين للمنطقة فهو ادومي جدته موأبية.
- بيت لحم وقبيلة لخم: تعود تسمية المدينة تاريخيًا إلى قبيلة لخم العربية؛ حيث كان يُطلق عليها "بيت لخم" (أي بيت أو معبد معبود قبيلة لخم الكنعاني/العربي)، وحُرفت التسمية لاحقًا عبر العصور لنزع المدلول القبلي العربي الأصيل عن الموضع.
ثانيًا: الخارطة العقائدية والمذاهب الدينية في فلسطين
تنوعت المذاهب والعبادات في فلسطين ما قبل الفتح الإسلامي بين الوثنية الصريحة، والمذاهب التوفيقية المنبثقة عن الناموس الموسوي أو الدعوة العيسوية:
- الوثنية الكنعانية الصريحة: تمثلت في العبادة الشعبية الواسعة للآلهة الكنعانية وعلى رأسها بعل (إله العاصفة والخصب) وعشتروت (ربة الحب والحرب) وإيل وداجون.
- العقيدة الفريسية (الفريسيون): مذهب توفيقي تأثر بالبيئة التعددية؛ انتسب أتباعه ظاهرياً للإرث الموسوي لكنهم آمنوا بالإله العربي الشمالي (يهوه) متبنين الرؤية القديمة التي تشرك معه زوجته عشيرة وبقية المجمع الإلهي المكون من الآلهة السبعة العظام بما فيها الشيطان.
- المذهب الصدوقي (الصدوقيون): أمنوا بالإله العربي الشمالي المدياني يهوه وزوجته عشيرة والالهة السبعة العظام بما فيها الشيطان عُرفوا في المأثور التاريخي بالزنادقة والماديين؛ ورغم تصدرهم لخدمة معبد "حرد العربي" في القدس إلا أنهم أنكروا قيامة الأموات، والقدر، والأنبياء، والملائكة، واليوم الآخر.
- الأسينيون (أطباء الروح): طائفة صوفية زاهدة اعتزلت في البراري (مثل خربة قمران). اشتُق اسمهم من "الأسى" (بمعنى التطبيب والمداواة الروحية والجسدية)، وعاشوا حياة مشاعية صارمة متمسكين بجوهر نسكي تعبدي تقشفي صارم.
- الصابئة المندائية: أتباع التوحيد العرفاني القديم، والذين ارتكزت عقيدتهم على طقوس الارتماس والتعميد في المياه الجارية (المياه الحية)، والارتباط بالنور الإلهي.
- الشيعة الناصرية (الناصريون): فرقة موسوية منبثقة عن الخط اللاوي (فرقة أبيا)، ركزت على أحكام الطهارة والنزوع الزهدي، والالتزام بناموس موسى قبل ظهور المسيحية. هم الأقرب للإسلام الذي بعثه محمد شعائرا وعقيدة وايمان.
- الحضوريون العرب: هم العرب من أتباع النبي شعيب عليه السلام، والذين استمدوا اسمهم ونسبتهم الجغرافية والسلالية من جبل حضور في شمال الجزيرة العربية، حيث احتفظوا بتقاليد توحيدية وأخلاقية حنيفة صارمة في مناطق امتدادهم الجغرافي في فلسطين.
- الإبيونيون (الفقراء): جماعة عيسوية أولى (عيسويون أهل الشريعة)، تمسكوا بالناموس الموسوي مع الإيمان بالمسيح كإنسان ونبي، ورفضوا تأليهه، وعاشوا حياة قائمة على الفقر الاختياري والزهد.
- المسيحية البولسية: أتباع اللاهوت الروماني الذي صاغه بولس الرسول، القائم على عالمية الدعوة، وإسقاط الأحكام الناموسية الموسوية (كالختان والشرائع الغذائية)، والايمان بالثالوث الإلهي المقدس. والتركيز على الخلاص بالفداء، وهي العقيدة التي سادت الإمبراطورية الرومانية لاحقًا.
ثالثًا: نشوء اليهودية الحاخامية في بابل والتحول عن الناموس الموسوي
شهدت فترة ما بعد الدمار الروماني للقدس (عام 70م وعام 135م) انتقال الثقل الديني الفكري بالكامل إلى بابل في العراق، لتبدأ هناك عملية صناعة وتأسيس ما يُعرف بـ "اليهودية الحاخامية" والتي لم تكتمل كديانة مستقلة إلا في القرن الخامس الميلادي:
- صياغة التلمود البابلي (القرن الخامس الميلادي): في الحواضر البابلية (مثل سورا وبومبيديثا)، صاغ الحاخامات الشريعة الشفوية والتفاسير المفتوحة التي بدلت المفهوم الموسوي القديم بالكامل، وحلت سلطة "الحاخام" بديلًا عن سلطة الكاهن والقربان والناموس الأصيل.
- كتاب الزوهر والسفيروت: تغلغلت المفاهيم العرفانية والغنوصية في البيئة العراقية لتبلور لاحقًا ما عُرف بـ كتاب الزوهر (كتاب الضياء) ونظام السفيروت (التجليات العشرة). ينزع هذا الفكر الصوفي الحاخامي (القبالاه) إلى تصوير الإله عبر عشرة تجليات أو فيوضات تنقسم بين المذكر والمؤنث والقوى المتعارضة، وهو ما يبتعد موضوعيًا عن التوحيد المطلق الذي جاء به موسى عليه السلام، ويقترب من الأنساق متعددة الآلهة والفلسفات الفيضية الشرقية الفيدية الهندوسية.
- الخروج عن ملة موسى: يتضح من هذا المسار التاريخي أن اليهودية الحاخامية هي نتاج "صناعة بابلية" متأخرة صُيغت في القرن الخامس الميلادي، وخرجت في جوهرها العقائدي والتشريعي عن الناموس الأصيل لموسى عليه السلام، ولم تبقِ من الشرائع المحورية القديمة سوى شعيرة الختان فقط لتصبح ديانة قومية حاخامية منقطعة الصلة بالرسالة الموسوية الأولى.
تثبت القراءة المتأنية لجغرافية فلسطين وتاريخها العقائدي أنها كانت أرضًا مأهولة بالقبائل الكنعانية والعربية الأصيلة، وأن أديانها ومذاهبها شكلت نسيجًا متداخلًا يعبر عن هوية الأرض بين فرق وثنية كنعانية وعربية ابراهيمية و موسوية وعيسوية متباينة، قبل أن تطرأ التحولات الخارجية والاجتهادات الحاخامية البابلية في القرن الخامس الميلادي لتعيد رسم مشهد ديني غريب عن الناموس الموسوي وعن جغرافية فلسطين الممتدة حتى الفتح الإسلامي الذي أعاد للأرض هويتها الحضارية الكبرى.
تاريخ النشر: 13 أغسطس 2026