حراس جبل جرزيم: كيف تاهت "اليهودية" في دروب بابل و "آتيل" وجنوب فرنسا، وظل السامريون على عهد موسى؟

اكتشف الجذور التاريخية والعقائدية بين السامريين واليهودية الحاخامية والقبالة الصوفية، وكيف تمايزت هذه الفرق في التوحيد والموقف من السحر والغيبيات.

حراس جبل جرزيم: كيف تاهت "اليهودية" في دروب بابل و "آتيل" وجنوب فرنسا، وظل السامريون على عهد موسى؟
حراس جبل جرزيم: كيف تاهت

بقلم:د. علاء أبوعامر 

تلوح قمة جبل جرزيم في أفق نابلس كشاهد صامت على زمن رفض أن يتحرك. هناك، فوق تلك الصخور الممتدة في عمق التاريخ، تقف جماعة صغيرة من البشر، ترفض أن تُسمى "يهودية"، وتصر بكبرياء وتوجس على لقب واحد: "بنو إسرائيل والحافظون للدين الإسرائيلي القديم". بالنسبة لهؤلاء، فإن ما يعرفه العالم اليوم باسم الديانة اليهودية ليس سوى انحراف تاريخي وعقائدي طويل، شُيِّد لبنة فوق لبنة بعيداً عن ألواح موسى ونقاء طور سيناء، وتحول إلى مظلة دينية تجمع شعوباً شتى لا رابط جينياً أو تاريخياً بينها وبين "بني إسرائيل" الأوائل.

إن الجرح الأول الذي فصل السامريين عن هذه المنظومة يعود إلى قرون طويلة قبل الميلاد، وتحديداً عقب السبي الأشوري، حيث تبلورت الهوية السامرية ككيان مستقل يتمسك بالقداسة الحصرية للأسفار الخمسة الأولى، وبمركزية جبل جرزيم كقبلة وحيدة اختارها الله، رافضين أورشليم وكل ما تلاها من أنبياء ومكتوبات (بست، 2011). هذا الدين السامري ليس تطوراً، بل هو "حالة ثبات" متعمدة، ترتكز على فكرة أن شريعة موسى كُتبت لتُطوّع الإنسان، لا ليُطوّعها الإنسان بالتأويل.

وعلى الضفة الأخرى من النهر التاريخي، كان هناك دين آخر يولد في مخاض إذ لم تظهر "اليهودية الحاخامية" التي نعرفها اليوم بنظامها الفقهي المعقد إلا في القرن الخامس الميلادي، خارج فلسطين، وتحديداً في بلاد الرافدين، حيث توّج الحاخامات جهود قرون من النقاش الشفوي بتدوين "التلمود البابلي" (نيوسنر، 2004). لقد كان التلمود بمثابة إعادة اختراع للدين ليناسب حياة؛ إذ تحولت سلطته من الكاهن الفلسطيني القديم القائم على المذبح إلى الحاخام المفسّر للنص. وفي تلك القرون، انفتحت اليهودية الحاخامية على أمم شتى، فاعتنقتها قبائل الخزر التركية في شمال القوقاز، ومجموعات من السلاف في أوروبا الشرقية، وقبائل حمير في اليمن، والبربر في شمال إفريقيا (ساند، 2010). هذا الاختلاط البشري الهائل جعل الديانة الحاخامية، بنظر السامريين، ديناً هجيناً؛ بابلية النشأة، متعددة الأعراق، وبشرية الصنع، تجاوزت حدود ما أنزل على موسى.

ولم يقف قطار التحول اليهودي الحاخامي عند حدود الفقه، بل غاص قروناً بعد ذلك في ليل التصوف الميتافيزيقي، لتولد "القبالة" في العصور الوسطى المتأخرة بين أزقة الأندلس وجنوب فرنسا، متجسدة في "كتاب الزوهر" (شوليم، 1995). هنا، التقت الحاخامية بالقبالة في منطقة شديدة الخطورة من وجهة النظر السامرية؛ إذ قدمت الصوفية اليهودية مفهوم "السفيروت" أو الفيوضات العشرة، وهي تجليات إلهية تُقسم الذات العليا لله إلى وجوه وأبعاد مؤنثة ومذكرة، رحيمة وصارمة. هذا المفهوم، وإن غلفه الفلاسفة بالتوحيد، يراه السامريون شقيقاً لتعدد الآلهة والشرك بالله، وقناعاً فلسفياً يمزق بساطة الإله الواحد النزيه الذي كلم موسى تكليماً، ولا صلة له بالشريعة الموسوية الأصلية.

ولم يتوقف هذا الانزلاق الميتافيزيقي عند حدود الفلسفة النظريّة، بل تحول في القبالة واليهودية الحاخامية إلى ممارسات عملية شرعنت السحر والشعوذة كمنهج ديني معترف به، فيما يُعرف بـ "القبالة العملية". لقد أفردت هذه المذاهب التي أطلق عليها تسمية به يهودية نسبة لمنطقة يهودا الفلسطينية القديمة، أو نسبة للإله العربي الشمالي الذي يرمز إليه ب"يهوه" كتباً ووصفات لاستدعاء القوى الغيبية والتحكم بالطبيعة عبر تراكيب سحرية وأسماء شياطين وملائكة، وهو ما اعتبره السامريون ردة وثنية صريحة. وعلى النقيض تماماً، بقيت العقيدة السامرية الرسمية ملتزمة بالتحريم الموسوي الصارم والشديد لكل أشكال السحر والعرافة بنص أسفار التوراة. ورغم أن التاريخ الشعبي قد يُسجل لبعض الكهنة السامريين كتابة تمائم وحجب طلباً للشفاء أو التبرك، إلا أنها ظلت ممارسات فردية فلكلورية لا تستند لغطاء تشريعي، وتعتمد حصراً على كتابة آيات التوراة بالخط الكنعاني القديم، دون مأسسة السحر أو تحويله إلى عقيدة ومنهج كما حدث في غياهب الحاخامية والصوفية اليهودية المتأخرة.

في نهاية المطاف، يتجلى لنا التمايز بين هذه الفرق الثلاثة كخطوط متوازية لا تلتقي في جوهر العقيدة، والشرك، وموقفها من الغيبيات المسكوت عنها. فإذا نظرنا إلى الدين السامري الموسوي، نجد إيماناً يقوم على التوحيد النزيه والمجرد، إلهٌ واحد لا يتجزأ ولا يتجسد، ويعتبر السامريون أي محاولة لتعدد الوجوه الإلهية هو تعدد للآلهة مهما قدم له من تفسيرات فلسفية، أي شركاً عظيماً يخرج صاحبه من الملة، ولذا فإن السحر عندهم رجس محرم بنص الشريعة الحرفي، وما يقع فيه العوام ليس سوى قشور من موروث فلكي أو حجب تبركية بالآيات لا تملك شرعية فقهية.

أما اليهودية الحاخامية، فقد خطت خطوة أبعد نحو التعددية الإلهية عبر لغة التلمود البابلي في القرن الخامس الميلادي، حيث تداخل الإيمان التوراتي مع التأويلات البشرية الحاخامية، وصار الشرك عندها مفهوماً مطاطاً يتسع لتجسيمات وتأويلات فقهية معقدة، وفتحت الباب لممارسات شعبية من العرافة والسحر النفعي، متأثرة ببيئتها الحاضنة وثقافات الشعوب المتعددة التي اعتنقتها عبر العصور من خزر وسلاف وبربر وحميريين.

وتأتي القبالة اليهودية الصوفية لتتوج هذا الاغتراب في العصور الوسطى، حيث تحول الإيمان معها إلى كوزمولوجيا غنوصية معقدة تؤمن بـ "السفيروت" العشرة، وهي الفيوضات التي تقسم الذات الإلهية إلى أبعاد متعددة تلامس حدود الشرك الصريح بنظر التوحيد الموسوي الصارم. وفي القبالة، لم يعد السحر مجرد شعوذة هامشية، بل صُيِّر منهجاً دينياً مكرساً وفلسفة باطنية متكاملة تُدرس في المتون، وتدعي القدرة على تسخير الأرواح وتغيير المقادير، لتظل ذرى جبل جرزيم تنظر إلى تلك المعابد الحاخامية والصوفية وتراها بيوتاً لشرائع وأسرار غريبة لم يأتِ بها موسى قط.

---

 قائمة المراجع 

1. بست، ر. (2011). السامريون: تاريخهم، عقائدهم، وتقاليدهم. تُرجم للعربية. عمان: دار الشرق للنشر.

2. ساند، ش. (2010). اختراع الشعب اليهودي. بيروت: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار).

3. شوليم، غ. (1995). الاتجاهات الكبرى في الصوفية اليهودية. نيويورك: شونكن بوكس.

4. نيوسنر، ج. (2004). تشكل اليهودية الحاخامية: من الفريسيين إلى التلمود. ليدن: بريل.