خيوط مهاجرة: رحلة التطريز الكنعاني وأسراره في أثواب البلقان وإيبريا
اكتشف رحلة التطريز الكنعاني التاريخية وأسراره العابرة للحدود من فلسطين إلى أثواب البلقان وشبه الجزيرة الإيبرية وفق أحدث الدراسات الأثرية.
حين تشرع خيوط الحرير والقطن المصبوغة بالأرجوان والقرمز في رواية التاريخ، تنكشف أمامنا جغرافيا مغايرة لا تعترف بالحدود السياسية، بل بحدود الجمال الإنساني المشترك. إن التطريز الكنعاني، الذي يمثل النواة التاريخية للتطريز الفلاحي الفلسطيني المعاصر، ليس مجرد زينة نسجتها يد الصدفة، بل هو لغة بصرية متكاملة الأركان، ولدت قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام في بلاد كنعان على ساحل البحر الأبيض المتوسط الشرقي. هذه اللغة المنسوجة سافرت فوق سفن الفينيقيين، وسارت في ركاب قوافل التجار، واصطحبت الحجاج في عودتهم من الأراضي المقدسة، لتعيد صياغة الهوية البصرية لأزياء شعوب نائية في شبه جزيرة البلقان وشبه الجزيرة الإيبرية.
جذور التطريز الكنعاني ورمزيتها التاريخية
تذكر الباحثة والمهتمة بالتراث مها السقا، مؤسسة مركز التراث الفلسطيني في بيت لحم، أن الثوب المطرز هو وثيقة وجود وتاريخ حي يمتد إلى العهد الكنعاني القديم. ولم يكن التطريز مجرد ترف، بل سجل أسطوري يحمل رموز الخصوبة والحماية. فالمثلثات المتقاطعة كانت ترمز إلى الجبال، والخطوط المتعرجة تحاكي مجاري المياه، في حين تعكس "شجرة الحياة" الأسطورة الكنعانية القديمة لصراع الإله بعل مع الموت وإعادة إحياء الأرض بمساعدة الإلهة عناة.
وفي هذا السياق، تؤكد الباحثة ومؤرخة النسيج البارزة منى منيّر في دراساتها الموسوعية المبنية على السجلات الأثرية الممتدة منذ عام 1200 قبل الميلاد، أن أسلوب التطريز والأزياء الكنعانية شكل قاعدة أساسية للأنماط النسيجية العابرة للبحر المتوسط، حيث تتبعت بالتحليل العلمي تطور هذه الغرز وهجرتها عبر المرافئ. كان الكنعانيون والفينيقيون ملوك الصباغة النسيجية، حيث استخرجوا اللون الأحمر القرمزي والأرجوان الملكي من رخويات السواحل. هذا اللون الأحمر بالتحديد غدا العلامة الفارقة للتطريز الفلاحي عبر العصور. انتقلت هذه الأنماط الهندسية القائمة على "غرزة الصليب" و"نجمة عشتار ثمانية الرؤوس" المعروفة بنجمة كنعان من جدران المعابد الكنعانية القديمة وفخاريات مجدو وعسقلان لتصبح رموزاً مطرزة على النسيج، ثم أبحرت غرباً نحو المرافئ الأوروبية.
الصلات التاريخية بشبه جزيرة البلقان: الحج والتجارة
حين يتأمل المرء الأثواب التقليدية في رومانيا، بلغاريا، مقدونيا، وصربيا، يصاب بالدهشة من فرط التطابق البصري مع الأثواب الكنعانية الشامية. يكمن السر وراء هذا التشابه في خطين تاريخيين: خط التجارة البيزنطية والعثمانية اللاحقة، وخط رحلات الحج المسيحي إلى القدس وبيت لحم.
وتشير الخبيرة والباحثة التراثية وداد قعوار، التي تملك أكبر مجموعة نسيج موثقة في الشرق الأوسط، إلى أن انتقال النقوش الزخرفية بين الثقافات كان يتم بسلاسة مذهلة؛ إذ تحولت "نجمة كنعان الثمانية" عبر الامتدادات الحضارية والدينية إلى ما يُعرف بـ "نجمة بيت لحم". وخلال العصور الوسطى، كان الحجاج المسيحيون القادمون من عمق البلقان وأوروبا الشرقية يزورون كنيسة المهد وكنيسة القيامة، وعند عودتهم، يحملون معهم أقمشة مقدسة وهدايا مطرزة بنقوش محلية.
هذه الحركة رصدها بدقة الرحالة السويسري تيتوس توبلر خلال القرن التاسع عشر في دراساته الإثنوغرافية الدقيقة عن ريف فلسطين وبيت لحم، حيث وصف بدقة انبهاره بملابس النساء ونشاط أسواق النسيج والمطرزات التي كان يشتريها الحجاج الأجانب وينقلونها إلى بلدانهم. كما يدعم الباحث الأمريكي إدوارد روبنسون هذا الطرح في كتابه "أبحاث كتابية في فلسطين", واصفاً طبيعة الحرف التقليدية والتجارة التي تعتمد على الخيوط المصبوغة والتي جذبت حجاج أوروبا الشرقية والبلقان. نقلت النساء البلقانيات هذه الغرز بدقة وتفانٍ، فأدمجت غرزة الصليب الكنعانية والألوان المعتمدة على الأحمر والأسود في صلب القمصان والمآزر التقليدية البلقانية، بناءً على الرموز الهندسية التي درسها الطبيب والباحث الأنثروبولوجي د. توفيق كنعان، والذي وثق في أبحاثه الميدانية كيف استقت النساء رمزية الحماية من هذه التمائم والنقوش الهندسية المتقاطعة لحماية البيوت من الشرور.
أثر النسيج الكنعاني في إيبريا (إسبانيا والبرتغال)
على المقلب الآخر من حوض المتوسط، في إسبانيا والبرتغال، يظهر تأثير النسيج والتطريز الكنعاني عبر طبقات تاريخية متراكمة. بدأت أولى هذه الطبقات مع الاستيطان الفينيقي المبكر لسواحل إيبريا وتأسيس مدن مثل قادس، حيث نقل الفينيقيون تقنيات صباغة الأقمشة وفنون التطريز الكثيف. وتؤكد الدراسات الأثرية الإسبانية حول مكتشفات "سيدة إيبيزا" الفخارية وجود إرث عريق من التماثيل القرطاجية (الفينيقية الغربية) الملبسة بأزياء مزخرفة بنقوش هندسية حادة تعود لأصول كنعانية فينيقية، والتي شكلت الملامح الأولى لتطريز حوض المتوسط.
الطبقة الثانية والأعمق جاءت مع الفتح الإسلامي للأندلس واستقرار القبائل الشامية من دمشق وفلسطين في جنوب إسبانيا. أحضر هؤلاء معهم ليس فقط أنظمة الري والنباتات، بل وأيضاً تقاليد النسيج والتطريز الشامي الكنعاني. وفي هذا الصدد، يوثق المؤرخ الإسباني البارز مانويل غوميث مورينو، في أبحاثه حول الفن والآثار الأندلسية، كيف أثرت ورش النسيج الشامية التي أسسها الأمويون في قرطبة وطليطلة على دمج "التطريز المحشو الكثيف" والنقوش الهندسية الشرقية في الثقافة الشعبية الإسبانية. وبفضل تقنية "التحرير والتلحيم" الشامية الكنعانية، غدا التطريز الإسباني يعتمد على تغطية خلفية القماش بالكامل بالخيوط الحريرية. وفي مناطق مثل أندلوسيا ومقاطعة سالامانكا، لا تزال أثواب النساء التقليدية تحتفظ بنقوش هندسية دقيقة وأشكال طيور متقابلة حول شجرة الحياة، وهي صياغة بصرية متطابقة مع توزيع الموتيفات على "قبة" الثوب الفلسطيني وجوانبه.
التطريز الكنعاني كإرث إنساني عالمي
إن بقاء هذه الرموز الكنعانية حية في أزياء شعوب البلقان وإيبريا، واعتماد المؤرخين والرحالة مثل توبلر، روبنسون، ومورينو على تتبع خيوطها، يثبت أن التطريز الكنعاني لم يكن مجرد فن محلي، بل كان نظاماً عالمياً للكتابة بالخيوط. هذا التماثل المذهل دفع منظمات دولية مثل اليونسكو إلى حماية وتوثيق التطريز الفلسطيني كإرث إنساني عالمي، نظراً لقدرته التاريخية على اختراق الحدود والتأثير في الثقافات الإنسانية الأخرى، محولاً الإبرة البسيطة إلى جسر حضاري يربط الشرق بالغرب منذ فجر التاريخ.
ملاحظة: هذه اقتباسات من بحث متكامل حول التطريز الفلسطيني الكنعاني كأصل التطريز العالمي بشكل موثق.
بقلم: د. علاء أبوعامر
تاريخ النشر: 11 أغسطس 2026