سُطور الفَتْح ومَصائر العَهْد: كيف ذابت قبائل العرب المتهوّدة في جَسد الأمّة؟

استكشف مصائر قبائل العرب المتهودة بعد الإسلام، وكيف تذوب في جسد الأمة عبر الاندماج الفتوحاتي، والإجلاء بالشام، والمواطنة الثقافية في اليمن.

سُطور الفَتْح ومَصائر العَهْد: كيف ذابت قبائل العرب المتهوّدة في جَسد الأمّة؟
سُطور الفَتْح ومَصائر العَهْد: كيف ذابت قبائل العرب المتهوّدة في جَسد الأمّة؟

بقلم:د. علاء أبوعامر 

حين أشرقت شمس الإسلام من بطحاء مكة، لم تكن القبائل العربية المتهودة مجرد حواشٍ على متن التاريخ، بل كانت جزءاً من النواة الصلبة لجزيرة العرب؛ فمن حصون يثرب الحاخامية، إلى واحات خيبر وتيماء، وصولاً إلى ممالك حمير الممتدة في أقاصي اليمن. ومع تبدل الهوية الروحية للمنطقة، فُتحت صفحة جديدة صاغ فيها الإسلام مصير هذه القبائل، لا على أساس عرقها العربي الذي لم يتغير، بل بناءً على تموضعها السياسي وخياراتها العقائدية في مواجهة الفجر الجديد.

انقسمت مصائر هؤلاء العرب المتهودين إلى مسارات ثلاثة، شكلت بمجموعها لوحة الاندماج والذوبان في جسد الأمة الناشئة. كان المسار الأول هو الاندماج الطوعي السريع؛ إذ لم تكد الدعوة تستقر حتى سارعت بطون وفروع كبرى من القبائل اليمنية القحطانية، وعلى رأسها ملوك حِمير وأقيال كِندة، إلى خلع عباءة الحاخامية وارتداء راية الإسلام. تحول هؤلاء في طرفة عين من الانكفاء داخل حصونهم الدينية إلى قيادة جيوش الفتح؛ فصارت القبائل المتهودة بالأمس هي النواة العسكرية الضاربة التي فتحت الشام ومصر وشمال إفريقيا، وانصهرت دماؤها في النسيج الاجتماعي للأمصار الجديدة كفاتحين يحملون اللسان العربي والدين الجديد. ولم يكن الاندماج عسكرياً فحسب، بل كان معرفياً وثقافياً؛ إذ أسلمت قامات حبرية كبرى مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه، ونقلت إرثها القصصي والشرعي إلى وجدان الثقافة الإسلامية، ليصبح جزءاً مكملاً لمرويات التاريخ والأنبياء في التراث التفسيري.

أما المسار الثاني، فكان مسار المواجهة العسكرية والإجلاء، وهو الذي خطته قبائل واحات الحجاز كبني النضير وبني قريظة وبني قينقاع، الذين قادتهم الحسابات السياسية ونقض العهود إلى الصدام مع الدولة النبوية في المدينة. انتهى هذا المسار بإجلائهم عن حصونهم وتوجيه بقاياهم نحو أطراف الشام كأريحا وأذرعات في عهد الخليفة عمر بن الخطاب. هناك، في تلافيف جغرافيا الشام الممتدة، لم يجد هؤلاء المفصولون عن أرضهم بيئة غريبة، بل وجدوا امتدادات عربية استوعبتهم بمرور الأجيال، فذاب أحفادهم بالتدريج عبر التعرّب الكامل أو اعتناق الإسلام، ليتلاشى وجودهم المنعزل داخل المجموع الكبير.

وفي المقابل، برز المسار الثالث كنموذج لـ المواطنة الثقافية تحت مظلة العروبة؛ حيث آثرت جاليات عربية حِميرية في عمق اليمن التمسك بدينها الحاخامي كأهل ذمة. عاش هؤلاء قروناً طويلة تحت الحكم الإسلامي كعرب أقحاح، يحتكمون إلى "العُرف القَبَلي" اليمني، ويتحدثون الفصحى، بل وينقسمون جينياً واجتماعياً إلى ذات الفروع القبلية لأبناء عمومتهم المسلمين. ومع صعود العصرين العباسي والأندلسي، كان هؤلاء المتهودون جزءاً لا يتجزأ من النهضة الحضارية؛ فصاغوا أدبياتهم وفلسفتهم باللغة العربية الفصحى (مكتوبة بحروف عبرية في ما عُرف باللغة اليهودية العربية)، وكان فلاسفتهم، كـ موسى بن ميمون، يمثلون العقل المشرقي في أوج عطائه ونتاجه الإنساني المشترك.

إن مآلات القبائل العربية المتهودة بعد الإسلام تؤكد حقيقة تاريخية كبرى: أن العروبة كانت دائماً هي الرحم الجامع الذي يستوعب التحولات الروحية دون أن يفقد جينات الأصالة والمنشأ. لقد تبخرت الأسوار الأيديولوجية المصطنعة التي حاولت فرز سكان المشرق إلى أعراق غريبة، وأثبت الصخر والتاريخ أن دماء الأنباط والأدوميين والحميريين والعدنانيين لم تغادر أرضها، بل صُهرت في بوثقة واحدة؛ فمنهم من قاد الفتوح بقرآنه، ومنهم من أثرى الحضارة بلسانه، ليظل الإنسان العربي هو الثابت الوحيد في جغرافيا المشرق، مهما تعاقبت على أرضه الشرائع والعهود.