فخُّ المترجم: كيف تحوّل رُعاة النقب إلى جبابرة الأرض؟
كيف تحول رُعاة النقب إلى عمالقة؟ دراسة تاريخية ولغوية تكشف فخ الترجمة الإغريقية وحقيقة العماليق.
بقلم: د. علاء أبوعامر
في عتمة التاريخ القديم، حيث تولد الحكايات من زبد الصحراء وتمتزج الأسماء بأصوات الرياح، ترقد قصة "العماليق". ذلك الاسم الذي ما إن يُذكر حتى تتراءى للمخيلة صور لبشر طوال القامة، جبلوا من صخر وجبروت، يطؤون الأرض فتهتز تحت أقدامهم. لكن التاريخ، في صمته المادي الصارم، يهمس بحديث آخر؛ حديث يروي كيف تحولت قبيلة من لحم ودم، كانت تسكن وهاد النقب وأطراف الحجاز، إلى أسطورة مأهولة بالخوف والتهويل، لم تكن سوى ضحية لـ "فخ لغوي" نصبه المترجمون الأقدمون.
تبدأ الحكاية من بطون النصوص القديمة. ففي أسفار العهد القديم والتوراة، يظهر "بنو عملق" كعدو بدوي شرس، يشن غارات مباغتة من تلال بئر السبع وسيناء، يصارع ليعيش في صحراء لا ترحم الضعفاء. لم تكن نصوص العهد القديم في بدايتها تصف كائنات فضائية أو عمالقة خارقين، بل كانت تسمي قبيلة بأصلها العروبي : "بنو عملق" أو "المعالقة". وفي لغة الصحراء، كانت هذه التسميات أسماء علم طبيعية، تنبع من جذر لغوي قديم يعكس بأس الرجال، أو لعلها نُسبت لجدٍّ عُرف بطول قامته وشجاعته بين أقرانه، تماماً كما تحتفظ بادية فلسطين حتى يومنا هذا بعشائر "أبو مْعِيلِق" في النقب، كشاهد حي على استمرارية اللسان العربي فوق ترابها الأصيل.
لكن المنعطف الفارق حدث في غرف الترجمة المظلمة بالإسكندرية، حين هبطت النصوص الشرقية على طاولة المترجمين اليونانيين في العصر الهيلينستي. وقف المترجم الإغريقي حائراً أمام اسم هذه القبيلة البدوية العتية التي حاربت الممالك المستقرة، وبدلاً من أن ينقل اسم "عمليق" كاسم علم مجرد لا معنى له في لغته، آثر أن يترجم "الحالة" و"الصفة المجازية". تلمس المترجم بأس هؤلاء البدو وحصونهم الجبلية الشاهقة، فاستعار من الميثولوجيا اليونانية كلمة "جيجانتس" (Gigantes)، وهي كلمة لم تكن تعني في الأصل سوى "المتمردين العُصاة" أو "الجبابرة في القتال".
من هنا، بدأت الدحرجة التاريخية الكبرى. فحين عاد القراء المتأخرون في العصور الوسطى والحديثة لقراءة الترجمات اليونانية واللاتينية، تلاشت الغاية المجازية للمترجم، وحلت مكانها القراءة الحرفية الجسدية. ظن القارئ الغربي أن الأرض القديمة كانت تمشي عليها أجساد خارقة الطول، فتحول اسم العلم العربي "عمليق" إلى صفة بيولوجية أطلقوا عليها "العملقة".
إن الوجدان العربي القديم يفهم هذا النمط من التسميات جيداً ولا يرى فيه سحراً. ففي عمق التراث العربي، تبرز قبيلة من العرب البائدة يُطلق عليها "عبد ضخم". لو قُدّر لمترجم يوناني قديم أن يلتقي برجال هذه القبيلة، لترجم اسمهم حرفياً إلى "الرجال العظماء الضخام"، ولَوُلدت من رحم هذه الترجمة أسطورة جديدة عن شعب من العمالقة يسكن الطائف. الحقيقة البسيطة هي أن "عبد ضخم" و"عمليق" و"معيلق" ما هي إلا ألقاب وأسماء علم سامية، تمدح الشدة والمنعة الجسدية الطبيعية التي تميز بها رجال البادية، وليست تقريراً طبياً عن أحجام بشرية خارقة.
وهكذا، تكشف لنا الرواية الأثرية واللغوية المشتركة كيف يُصنع الوهم من مجرد تباين الألسن. لقد ذاب بنو عملق في النسيج الكنعاني والعربي لشمال الحجاز وفلسطين، وبقيت أسماؤهم تنبض في لهجات رُعاة النقب وعشائرها المستقرة، بينما طارت صفتهم المترجمة في آفاق الأساطير العالمية.
وفي الختام، يتضح لنا أن "العماليق" لم يكونوا يوماً ظاهرة بيولوجية استثنائية، بل كانوا ظاهرة أنثروبولوجية وضحية لغوية بامتياز. إن تتبع أصول الاسم من بادية الحجاز، مروراً بأختام السامرة وعشائر النقب، وصولاً إلى قواميس الإغريق، يعلمنا كيف يمكن للمجاز أن يلتهم الحقيقة، وكيف يمكن لاسم علم بسيط، وُلد في حضن خيمة بدوية، أن يتحول بجرّة قلم من حبر غريب إلى كائن جبار يملأ الدنيا ويشغل التاريخ.