ممر IMEC: حين يصبح الاقتصاد غطاءً للاحتلال.. والفلسطينيون عقبة لوجستية !

دراسة شاملة للمشروع، البنية التحتية، التحديات الجيوسياسية، تأثيرات القضية الفلسطينية، والتوزيع التفصيلي للمكاسب والخسائر في الحاضر والمستقبل.

ممر IMEC: حين يصبح الاقتصاد غطاءً للاحتلال.. والفلسطينيون عقبة لوجستية !
حين يصبح الاقتصاد غطاءً للاحتلال.. والفلسطينيون عقبة لوجستية

الممر الذي يريد تجاوز فلسطين... بين أحلام التجارة العالمية والتخلي عن القضية

في أيلول/سبتمبر 2023، وعلى هامش قمة العشرين في نيودلهي، خرج قادة العالم بواحدة من أضخم المبادرات الاقتصادية التي عرفتها المنطقة منذ عقود: الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، المعروف اختصاراً بـ"IMEC". ثماني جهات وقّعت على مذكرة التفاهم يومها: الهند، الإمارات، السعودية، الأردن، إسرائيل، الاتحاد الأوروبي، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، والولايات المتحدة. مشروع قُدّم للعالم بوصفه شبكة نقل ثورية تجمع السكك الحديدية بالموانئ والكابلات وأنابيب الهيدروجين، وتَعِد بتقليص زمن الشحن بين الهند وأوروبا بنسبة قد تصل إلى 40%، وخفض الكلفة اللوجستية بنحو الثلث.

لكن خلف الأرقام والخرائط الهندسية اللامعة، يختبئ سؤال لم يستطع أحد من راسمي المشروع الإجابة عنه بصدق حتى اليوم: كيف يمكن لممر يمر في قلب الشرق الأوسط أن "يتجاوز" القضية الفلسطينية، وكأنها مجرد عائق لوجستي على الطريق، لا شعب يرزح تحت احتلال؟

من التصريحات إلى الإستملاك: الأردن يدفع الثمن الأول

بينما كانت الحرب على غزة تندلع بعد أقل من شهر من إعلان المشروع، وتحوّل النقاش حول جدواه إلى جدل محتدم بشأن دمج إسرائيل في المنطقة، كان الأردن يمضي بهدوء من مرحلة الخطاب السياسي إلى التنفيذ الفعلي على الأرض. أقرّ مجلس النواب الأردني مطلع آب/أغسطس 2026 تعديلاً على قانون الملكية العقارية يُدخل "السكك الحديدية" ضمن تعريف "الطريق"، وهو تعديل يمنح الدولة صلاحية استملاك ما يصل إلى ربع مساحة أي عقار دون تعويض، لصالح مسارات القطارات.

المسؤولون يطمئنون بأن 70% من هذه المسارات تمر بأراضٍ مملوكة للدولة، وأن 30% فقط ملك للمواطنين. لكن هذا الرقم لا يعني الكثير لمزارعي غور الصافي، الذين وجدوا أنفسهم أمام استملاكات تصل إلى 900 متر من أراضيهم، في وقت لا تتجاوز فيه الحاجة الفنية الفعلية 50 إلى 60 متراً فقط. مزارعون يشعرون أن أرضهم تُقتطع لمشروع لا يعرفون تفاصيله، مقابل وعود غامضة بتعويض أو مبادلة، بينما يتحدث الملك عبدالله الثاني عن "أهمية دمج شبكة النقل الأردنية بالممر"، ويصف وزير النقل المشروع بأنه "حيوي" لتثبيت موقع المملكة كحلقة وصل إقليمية.

إسرائيل جاهزة... والعراقيل سياسية لا تقنية

في المقابل، تبدو الصورة على الجانب الإسرائيلي مختلفة تماماً. البنية التحتية هناك جاهزة إلى حد بعيد: مدينة بيسان (بيت شآن) متصلة أصلاً بشبكة قطارات تمتد إلى ميناء حيفا شمالاً، ولا يفصلها عن الشبكة الأردنية سوى 12 كيلومتراً فقط. لكن هذه الكيلومترات الاثني عشر عالقة منذ سنوات بفعل توترات سياسية، إذ يبدو أن إسرائيل نفسها ليست في عجلة من أمرها لإنجاز هذا الربط. مفارقة لافتة: الجانب الأردني يستملك أراضي مواطنيه ويشرّع القوانين لإنجاز مساره، بينما الجانب الإسرائيلي، الأكثر جاهزية تقنياً، يتلكأ في إغلاق الفجوة الأخيرة.

إسرائيل: من "نقطة الضعف" إلى "القلب النابض" للممر

الفكرة الأصلية للممر وضعت الهند وإسرائيل كنقطتي ارتكاز أساسيتين، تربط بينهما منطقة الخليج. ووُصف المشروع في أدبياته بأنه سيحوّل إسرائيل إلى "مرتكز رئيسي للتجارة الدولية"، على اعتبار أن ميناء حيفا سيغدو بوابة الشرق الأوسط نحو أوروبا. فموانئ إسرائيل تفوق طاقتها الاستيعابية موانئ لبنان أو سوريا بخمسة أضعاف، وتمتلك منظومة رقمية متقدمة لإدارة اللوجستيات، ما يمنحها، بحسب المروجين للمشروع، "سبقاً استراتيجياً" لا يقتصر على العبور، بل يمتد إلى تصدير الخدمات والتكنولوجيا ورأس المال على امتداد سلاسل التوريد من بنغالور إلى برلين.

ولم يكن إدراج إسرائيل في هذا المشروع صدفة، بل ارتبط عضوياً بمسار التطبيع مع السعودية الذي بدا قريب المنال قبل 7 أكتوبر 2023. فـ"IMEC" لم يكن مجرد خط نقل بضائع، بل "مرساة جيوسياسية" هدفها إبقاء الهند ودول الخليج في الفلك الغربي، في مواجهة النفوذ الصيني المتصاعد. والأخطر من ذلك أن المشروع لا يكتفي بالتطبيع السياسي، بل يذهب إلى ما هو أبعد: تكامل اقتصادي بنيوي يربط اقتصادات المنطقة بإسرائيل عبر بنية تحتية مادية ملموسة، يصعب معها لاحقاً، إن لم يكن مستحيلاً، الفصل بين المصالح الاقتصادية والاحتلال القائم.

فلسطين: الفيل الذي يرفضون رؤيته في الغرفة

يرى محللون أن هذا المشروع يتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها عقبة لوجستية يمكن الالتفاف عليها هندسياً، لا صراعاً سياسياً يستوجب حلاً عادلاً. وفي مؤتمر عُقد في عمّان لمناقشة الممر، برزت القضية الفلسطينية كـ"الفيل في الغرفة" الذي يتجنب كثير من صناع القرار الغربيين مواجهته والاعتراف بحضوره. وطُرح هناك سؤال جوهري وصادم: هل يمكن تجاوز القضية الفلسطينية سياسياً واستراتيجياً، والقفز مباشرة إلى نموذج تكامل إقليمي تُعامَل فيه إسرائيل كشريك "طبيعي"؟ وكان الرد الأردني والعربي واضحاً: لا يمكن للاحتلال المستمر وسياساته التصعيدية أن يُختزلا في معادلة تخطيط اقتصادي.

الأخطر من ذلك ما كشفته وثائق مسرّبة في صيف 2025 عن خطة أطلق عليها اسم "GREAT Trust"، تصوّرت غزة كمجرد "مركز لوجستي" يُدمج في مسار IMEC، لا كأرض لشعب له حقوق سياسية وتاريخية. تضمنت الخطة اقتراحات لإنشاء ما يسمى "بوابة إبراهيم" اللوجستية في رفح، وشق طرق سريعة تحمل أسماء قادة خليجيين، في مسعى لِـ"طيّ" غزة داخل شبكات إسرائيلية ومصرية وخليجية تحت وصاية أميركية، بينما يُختزل الفلسطينيون أنفسهم إلى مجرد "عقبات" ينبغي تجاوزها أو تهجيرها.

هذا هو جوهر منطق "أبراهام" الذي يقوم عليه الممر: فكرة أن التجارة والاستثمار والبنية التحتية يمكن أن تحل محل التسوية السياسية العادلة، أي "سلام اقتصادي" بديل عن سلام حقيقي قائم على الحقوق. لكن ما جرى بعد 7 أكتوبر 2023 أثبت هشاشة هذا المنطق: فالترتيبات الاقتصادية الإقليمية، مهما بلغت طموحها، تبقى مبنية على رمال متحركة ما دامت القضية الفلسطينية معلّقة بلا حل. وهو ما أقرّ به وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي حين أكد أن حل القضية الفلسطينية شرط أساسي لأي تقدّم حقيقي في المشروع.

حين اهتزت الحسابات: غزة تُعيد ترتيب أولويات المنطقة

شكّل 7 أكتوبر 2023 نقطة تحوّل حاسمة جمّدت المشروع فعلياً على الأرض. كشفت الحرب هشاشة الموقع الأمني لإسرائيل في إقليم مكتظ بمن يعتبرونها كياناً محتلاً، ما أثار تساؤلات جدية حول جدوى الرهان على ممر يعتمد أساساً على طرف غارق في صراع مفتوح. بل إن تحليلات عدة تشير إلى أن المقاومة الفلسطينية قادرة على التأثير مباشرة في هذا الطريق التجاري، وعرقلة نشاط ميناء حيفا ذاته.

في المقابل، جمّدت السعودية مسار نقاشاتها مع إسرائيل، وربطت أي تقدّم بقيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967، بل تدرس اليوم إعادة رسم مسار الممر بالكامل عبر سوريا بدلاً من إسرائيل، في مؤشر على تبدّل الحسابات الإقليمية. كما يبحث صناع القرار عن مسارات بديلة تلتف على إسرائيل عبر مصر والعراق وتركيا.

ميزان المصالح: من يربح فعلاً، ومن يدفع الثمن؟

عند تفكيك المشروع بعيداً عن الخطاب الترويجي، تظهر معادلة إعادة توزيع للمكاسب والخسائر لا تخدم الجميع بالتساوي:

المستفيدون في الحاضر: إسرائيل تتصدّر القائمة رغم كل التعثر، فبنيتها التحتية الجاهزة (حيفا، السكك الحديدية، بيسان) تضعها على بُعد خطوة من ترسيخ مكانتها كجسر إقليمي وتحصيل رسوم عبور مستقبلية. تليها شركات البنية التحتية كـ"قطارات الاتحاد" الإماراتية، ثم الهند التي تؤمّن بديلاً استراتيجياً عن قناة السويس، ودول الخليج التي تنوّع مصادر دخلها عبر اللوجستيات وتصدير الهيدروجين الأخضر.

المتضررون في الحاضر: مزارعو الأردن الذين تُقتطع أراضيهم بلا تعويض عادل، والفلسطينيون في غزة والضفة الذين يواجهون تهميشاً ممنهجاً وتثبيتاً للاحتلال عبر الدمج البنيوي لإسرائيل، إضافة إلى مصر التي تتهدد عائدات قناة السويس، والصين التي ترى في المشروع رداً غربياً مباشراً على مبادرة الحزام والطريق.

إذا اكتمل المشروع مستقبلاً، يبقى الفلسطينيون الخاسر الأكبر بلا منازع: تثبيت بنيوي للاحتلال، ومخاطر تهجير قسري بموجب مخططات من نوع "GREAT Trust"، وإجهاض متجدد لأي أفق لحل الدولتين. في المقابل تُراكم إسرائيل موقعها كبوابة أوروبا الرئيسية وتُثبّت تطبيعها اقتصادياً، فيما يبقى الأردن "رابحاً مشروطاً" بين نهضة اقتصادية محتملة وثمن سياسي واجتماعي باهظ يتحمله مزارعوه ومواطنوه أولاً.

اقتصاد لا يمكنه أن يشتري سلاماً

يقف "IMEC" اليوم عند مفترق طرق حقيقي بين طموح اقتصادي جامح وواقع سياسي معقّد لا يرحم. فمنذ أعلن عنه العالم قبل أقل من شهر من اندلاع الحرب على غزة، تحوّل من رمز للتعاون الإقليمي إلى مرآة تعكس انقسامات المنطقة العميقة، وتؤكد استحالة الفصل بين خطوط السكك الحديدية والاستحقاقات السياسية.

الدرس الذي يقدمه هذا المشروع، سواء اكتمل أم تعثر، واضح: لا يمكن لأي تكامل اقتصادي إقليمي أن يُبنى على تجاهل الصراع الجوهري في المنطقة. فالقضية الفلسطينية ليست عقبة لوجستية تُطوى بخط سكة حديد أو ميناء جديد، بل هي جوهر الصراع في الشرق الأوسط، وأي مشروع يحاول القفز فوقها – مهما بلغ من الطموح والتمويل – سيبقى معلّقاً بين خرائط المهندسين وحقائق الأرض السياسية، بين وعود الرخاء وأثمان لا يدفعها إلا أصحاب الأرض أنفسهم.

فهل يمكن للمنطقة أن تشهد تكاملاً اقتصادياً حقيقياً قبل أن تتحقق تسوية عادلة للقضية الفلسطينية؟ أم أن "IMEC" لن يكون سوى مشروع آخر يثبت أن الاقتصاد لا يستطيع أن يحل محل السياسة، وأن السلام لا يُبنى على أنقاض الحقوق؟

باسم النادي | تاريخ النشر: 26 أغسطس 2026

صحفي وشاعر فلسطيني من الأردن، عضو إتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينين منذ عام ١٩٨٥. رئيس تحرير صحيفة يلا نيوز الإلكترونية. الإصدارات المطبوعة: دخان البيوت ۱۹۸۵ وردة الكآبة ۱۹۹۲ شعراء وقصائد- ترجمة من الروسية الشعراء سوفيات ۱۹۸۸.

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتخصيص تجربتك ، وتحليل أداء موقعنا ، وتقديم المحتوى ذي الصلة (بما في ذلك الإعلانات). من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط.