ميراث الميزان: من أرصفة غزة إلى شواطئ قرطاج
اكتشف الجذور التاريخية والمالية للعملة الفلسطينية الكنعانية في غزة وعسقلان منذ عام 500 ق.م، وكيف أثرت في أنظمة المال القديمة بالمنطقة.
بقلم: د. علاء أبوعامر
منذ أن وطئت أقدام الكنعانيين الأوائل سواحل غزة، لم تكن الأرض بالنسبة لهم مجرد جغرافيا، بل كانت "هوية" تُصك في ملاحم التجارة والحياة.
في تلك الحواضر، حيث كانت غزة وعسقلان مراكز عالمية تضج بالحركة، وُلدت الحاجة إلى نظام مالي يحفظ الحقوق ويُوثق الالتزام؛ نظامٍ لم يكن مجرد وسيط للتبادل، بل وثيقة قانونية تنطق بلسان أهل الأرض وتنبثق من منطق "الميزان" (Savage, 2021, p. 42).
تقول فصول الرواية التي غيبتها سرديات "اللصوص والمزورين الاستشراقيين والصهاينة" إن الفلسطينيين الكنعانيين صكوا في غزة، بحدود عام 500 قبل الميلاد، مسكوكات برز فيها عنفوان "رأس الحصان". لم يكن هذا الرمز مجرد زينة، بل كان يحرس نقشاً عمودياً باللغة الكنعانية القديمة يتهجى بوقار كلمة (أفيلسه)، ويتبعها بصرامة قانونية لفظ (حياف). وفي حين تحاول القراءات التقليدية إرجاع "الفلس" إلى أصول رومانية متأخرة، إلا أن المنطق اللغوي "الكنعاني والآرامي" يعيدها إلى جذورها الأصلية؛ ففي الآرامية ، يرتبط جذر "فلس" (Palsa) بـ "الميزان" أو "القبان"، وبفعل الوزن والعدل (Payne Smith, 1903, p. 448)، مما يجعل "الفلس" في جوهره قطعة نقدية تعكس معياراً دقيقاً للالتزام المالي نبع من قلب فلسطين قبل أن يقتبسه اللاتين ويسمونه "Follis".
هذا الفكر المالي لم يتوقف عند حدود غزة، بل تجلى في عسقلان المجاورة عبر رموز سيادية مذهلة، كان أبرزها الإله "فاني بعل" (Phanebal). هذا المعبود الذي يظهر على المسكوكات كإله محارب يمسك بـ "سيف الهاربي" ودرع مستدير، لم يكن سوى تجسيد لسيادة المدينة وقوتها (Hill, 1914, p. lix). واللافت أن اسم "فاني بعل" يعود في أصله "الكنعاني" إلى "بني بعل" (Pene Ba'al)، أي "وجه بعل"، وهو ذات اللقب الذي حمله الكنعانيون معهم إلى قرطاج لوصف الإلهة "تانيت" (Moscati, 1968, p. 147)، مما يثبت وجود وحدة ثقافية ومالية ممتدة من الساحل الفلسطيني إلى شمال أفريقيا.
ومع توسع الكنعانيين (الفينيقيين) نحو الغرب، حملوا معهم "نظام الميزان"؛ فاستقر "الشاقل" كعملة سيادية في قرطاج، مشتقاً من الجذر الكنعاني "ش ق ل" الذي يعني "الوزن" (Korpel, 2001, p. 128). لقد نقل البحارة الفلسطينيون رموزهم الكنعانية الأولى، مثل "رأس الحصان" و"النسر"، لتصبح شعارات لعملات تونس القديمة، مؤكدين أن السيادة المالية التي حكمت المتوسط كانت كنعانية الجذور، وأن قوانين "الالتزام" (حياف) هي التي ضبطت إيقاع العالم القديم.
إن استعادة هذه المصطلحات والرموز من براثن التزييف تكشف عن شعب صاغ للمستقبل لغة التعامل بالحق والعدل. وتظل تلك العملات القديمة -التي جمعت بين هيبة الحصان، وقوة النسر، وصرامة "فاني بعل" والالتزام- وثيقة حية تثبت أن فلسطين هي من علمت العالم أن المال ليس مجرد معدن، بل هو "وزن" وقيمة وعهد إلزامي صاغه الكنعانيون بذكائهم الذي لا يزال حياً في أرواحنا.