نبضُ البلاغة في غزة القديمة: رحلة في أثر بركوبيوس الغزي

قصة بركوبيوس الغزي رائد الفكر والبلاغة في غزة القديمة، وتعرف على مظاهر الحضارة المزدهرة وساعة غزة الهندسية الفريدة في العصر البيزنطي.

نبضُ البلاغة في غزة القديمة: رحلة في أثر بركوبيوس الغزي
نبضُ البلاغة في غزة القديمة: رحلة في أثر بركوبيوس الغزي

بقلم:د. علاء أبوعامر 

في زمنٍ بعيد، حيث كانت شواطئ البحر الأبيض المتوسط تلتقي بقوافل التجارة القادمة من أقاصي الشرق، كانت مدينة غزة تفتح ذراعيها للمسافرين لا كمركز للتجارة الفارهة فحسب، بل كمنارة للمعلّمين والفلاسفة والقرّاء. في ذلك العصر البيزنطي الذي تداخلت فيه الثقافات وتصارعت فيه الرؤى، وُلد رجل يحمل في قلبه شغفاً بالكلمة، وعشقاً لا ينتهي للمكتبات العتيقة والخطابة الفصيحة. إنه بركوبيوس الغزي، المفكر الذي جعل من الحرف جسراً يعبر فوقه جيل كامل، ومن الكلمات أنواراً تضيء دروب المعرفة.

ولد بركوبيوس في النصف الثاني من القرن الخامس للميلاد، ونشأ في بيئة تضج باللغة اليونانية وبلاغتها الكلاسيكية. دفعه شغفه بالعلم إلى السفر نحو الإسكندرية، حاضرة العلوم الكبرى في ذلك الزمان، فنهل من فلسفتها وتعمق في أسرار البيان. وعندما عاد إلى مدينته غزة، لم يكن مجرد معلّم يلقي الدروس، بل أصبح الأب الروحي لمدرستها الفكرية الشهيرة، تلك المدرسة التي تميزت بقدرتها الفريدة على التوفيق بين موروث الفلاسفة الأقدمين وبين الروحانية الجديدة التي كانت تصيغ وجه العالم آنذاك.

لم يكن هذا المفكر يبتغي جاهاً أو يبحث عن مناصب في المدن الكبرى مثل أنطاكية أو صور، بل فضّل البقاء في مدينته، يربي العقول ويصقل المواهب. وامتاز في كتاباته بابتكار أسلوب السلاسل التفسيرية، حيث كان يجمع شروح المفكرين السابقين ويربطها معاً في تناسق بديع، كما ترك خلفه رسائل شخصية نابضة بالحياة، وصفت بدقة متناهية تفاصيل المجتمع ومظاهر الحضارة، ليعكس لنا نبض تلك الحقبة الفريدة في تفاصيلها اليومية.

لم تكن تلك المدينة مجرد ساحة لطلب العلم فحسب، بل كانت خلية نحل تضج بالحياة والحركة في القرن السادس الميلادي. كانت شوارعها المرصوفة تشهد تمازجاً فريداً بين شتى أطياف البشر؛ ففي أسواقها الفسيحة، يلتقي التجار القادمون من شبه الجزيرة العربية ببضائعهم وعطورهم، مع البحارة الإغريق والموظفين البيزنطيين. كان الفلاحون يتدفقون صباحاً لبيع ثمار الكروم والزيتون التي جُنيت من السهول المحيطة، بينما تعج الساحات العامة بأصوات الباعة والمشاة.

وفي المساء، كانت المقاهي والملتقيات العامة تتحول إلى منتديات مصغرة، حيث لا يقتصر الحديث فيها على شؤون التجارة والسياسة، بل يمتد ليشمل مناقشة الخطب الأدبية الساخنة والمجادلات الفلسفية. لقد عاش سكان المدينة في بحبوحة من العيش تظهر جلية في حبهم للاحتفالات، والمهرجانات الموسمية، والمسارح التي كانت تمتلئ بالجماهير المتلهفة لمشاهدة العروض الاستعراضية والاستماع إلى المطارحات الشعرية، مما جعل الحياة اليومية مزيجاً مدهشاً بين بساطة العيش وحب المظاهر الحضارية الرفيعة.

حين رحل بركوبيوس عن الدنيا، لم ينطفئ نور مدرسته، بل تسلم الراية من بعده تلامذة برصانة أساتذتهم وعمق معرفتهم. كان على رأس هؤلاء "خوريكيوس الغزي"، الذي لم يكن تلميذاً نبيهاً فحسب، بل كان بليغاً ومؤرخاً فذاً تولى إدارة المدرسة من بعد سلفه. نجح خوريكيوس في الحفاظ على النهج الفكري للمدرسة، متبعاً ذات الأسلوب السردي الرفيع، وألقى خطباً شهيرة في مدح أستاذه الراحل وفي وصف الكنائس والمباني العظيمة في المدينة.

إلى جانب خوريكيوس، برز أسماء آخرين مثل "يوحنا الغزي" الذي صاغ الشعر الوصفي البديع، وساهم هؤلاء التلاميذ معاً في حماية المدرسة من الذوبان وسط التيارات السياسية والدينية العاصفة في ذلك العصر. لقد اعتمدوا على تدريس البلاغة كأداة لبناء العقل، وحافظوا على استقلاليتهم الفكرية، متمسكين بالجمع بين علوم الأقدمين والروح الإنسانية، مما ضمن للمدرسة الفكرية أن تظل قبلة للمتعلمين لعدة عقود بعد رحيل مؤسسها الأول.

في قلب السوق الرئيسي لمدينة غزة، كانت تقف تلك الساعة الميكانيكية الضخمة التي سحرت ألباب السكان وزوار المدينة، والتي خلّدها بركوبيوس في كتاباته بوصف أدبي دقيق وتفصيلي. لم تكن هذه الآلة مجرد أداة لمعرفة الوقت، بل كانت تحفة هندسية تجمع بين تدفق المياه وحركة التروس الميكانيكية المعقدة. كانت الساعة تعتمد على نظام هيدروليكي دقيق يزن تدفق المياه بنسب محسوبة ليتحكم في حركة عقاربها وقطعها الداخلية.

وكان وجه الأعجوبة يكمن في مسرحها المتحرك؛ فمع رأس كل ساعة، كانت الأبواب الصغيرة تفتح آلياً لتظهر من خلالها تماثيل متحركة تجسد أسطورة البطل اليوناني القديم "هرقل". كان تمثال هرقل يخرج ليؤدي عملاً من أعماله الشهيرة تزامناً مع دقات الساعة، بينما تصدر الآلة أصواتاً موسيقية وتنبيهات ميكانيكية تبهر الناظرين. كانت هذه الساعة شاهداً حياً على التطور العلمي والهندسي الهائل الذي وصلت إليه المدينة، حيث تداخلت العلوم الرياضية مع الفنون البصرية لتقدم لأهل ذلك الزمان لوحة متحركة تروي قصة الزمن بأسلوب ساحر.

إن تتبع سيرة بركوبيوس الغزي ومحيطه الفكري يفتح أمامنا نافذة واسعة على عصر كانت فيه غزة موطناً للجمال والفكر الخالص. إن الإرث الذي تركه خلفه، وحافظ عليه تلاميذه الأوفياء، يثبت أن حبر العلماء يمتلك قدرة على البقاء تتجاوز بكثير حبر القوانين أو صخب الصراعات العابرة. لقد كان هذا المفكر نموذجاً حياً للمثقف الذي ينتمي لبيئته، ويعيد صياغة العلوم الكونية بلغة يفهمها أهل زمانه، تاركاً للأجيال اللاحقة منارة فكرية لا تنطفئ ونموذجاً مذهلاً يجمع بين رقي الفلسفة وإبداع الهندسة الميكانيكية وعمق الحياة الاجتماعية.

ونحن إذ نستحضر فصول هذه السيرة العطرة في يومنا هذا، ندرك تماماً أن التاريخ لا يُصنع فقط بالمعارك الكبرى أو بالتحولات السياسية المفاجئة، بل يُصنع كذلك في الغرف الهادئة للمكتبات، وبين جدران قاعات الدرس حيث تلتقي عقول المعلمين بقلوب الطلاب، وفي الساحات العامة التي تتردد فيها دقات الساعات المبتكرة لتعلن انتصار العقل البشري. إن الحكاية التي سطرها هذا العالم في أروقة مدينته تؤكد لنا أن رغبة الإنسان في البحث عن الحقيقة، وسعيه المستمر لصياغة الجمال من خلال الكلمات والآلات، هي القوة الحقيقية التي تمنح المجتمعات هويتها واستمراريتها عبر العصور المتباعدة. وستبقى تلك السيرة قنديلاً يضيء تاريخ الفكر الإنساني، ويذكرنا دائماً بأن المعرفة هي الأثر الأبقى الذي لا يمحوه الزمان، وأن السطور التي كُتبت بصدق وتجرد تظل حية في وجدان البشرية، تروي للأجيال المتعاقبة قصة العقل حين يحلّق في فضاءات الحكمة والبيان.