اتفاق مكة الثلاثي: خطوة على الورق غيرت حسابات المنطقة
تفاصيل وتداعيات اتفاق مكة الثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان، وكيف غير حسابات طهران وتل أبيب وواشنطن في المنطقة.
بقلم: د. علاء أبوعامر
في مكة المكرمة، صِيغت معادلة جديدة لم تقرأها العواصم في كتب السياسة التقليدية، بل لمستها كدفقات من القلق والتوجس. حين وقعت السعودية وتركيا وباكستان على اتفاق الدفاع المشترك، لم يكن الحبر مجرد سائل جاف، بل كان حجرًا أُلقي في مياه الشرق الأوسط الراكدة، لتصل ارتداداته سريعاً إلى طهران، وتل أبيب، وواشنطن، مغيرًا ملامح الأفق بلمحة عين.
في طهران، لم تكن الأجواء مستقرة بعد وصول النبأ. استقبلت القيادة الإيرانية هذا الحلف ليس كترتيبات عادية، بل كجدار سميك من الردع يلتف حول حدودها. إذ لطالما تحركت طهران بارتياح في الساحات الإقليمية مستندة إلى نفوذها، لكن أن ترى جارتها الشرقية التي تمتلك السلاح النووي، وجارتها الشمالية ذات الجيش القوي، تلتقيان مع الرياض في حلف واحد، فهذا يعني أن قواعد اللعبة قد تغيرت. قرأت إيران في الاتفاق رسالة تحذير صارمة تفيد بأن أي مساس بأمن الخليج لن يواجه برد فعل المحلي وحسب، بل قد يفتح عليها مواجهة شاملة مع قوى عسكرية ثقيلة.
تداعيات الاتفاق على تل أبيب
أما في تل أبيب، فقد ساد شعور واضح بالاختناق السياسي والأمني. لسنوات طويلة، بنت إسرائيل استراتيجيتها على حلم تحالف يجمعها بدول المنطقة لمواجهة الخطر الإيراني، مروجة لنفسها كمظلة أمنية وحيدة. جاء اتفاق مكة الثلاثي ليفكك هذه الرهانات بالكامل. استيقظت الدوائر السياسية هناك لتجد أن الرياض لم تعد تنتظر حمايتهم، بل ذهبت لبناء منظومة مستقلة تجمع مال الخليج مع العقيدة العسكرية الباكستانية والتكنولوجيا الحربية التركية، مما وضع إسرائيل في عزلة حقيقية وتبددت معها أوهام دمجها عسكرياً في المنطقة.
القراءة الأمريكية والمشهد الجديد
على الجانب الآخر من المحيط، في واشنطن، كانت القراءة مزيجاً من الواقعية المريرة. لم يعد سراً أن الثقة بالضمانات الأمريكية قد اهتزت في عيون حلفائها القدامى. قرأ البيت الأبيض هذا الاتفاق باعتباره إعلاناً صريحاً للاعتماد على الذات من قِبل السعودية، وبحثاً عن بدائل تتجاوز الإملات التقليدية. ورغم أن بعض الدوائر الأمريكية تنفست الصعداء سراً لأن هذا الحلف قد يخفف من أعبائها العسكرية ويكبح التصعيد، إلا أن الشعور العام ظل متمثلاً في إدراك حقيقة واحدة: حقبة الهيمنة المطلقة على قرارات المنطقة قد ولت.
إن اتفاق مكة الثلاثي لم يكن مجرد رد فعل على أزمات عابرة، بل كان إعلاناً عن ولادة محور إقليمي يمتلك مقومات البقاء والتأثير. لقد أثبتت هذه الخطوة أن الجغرافيا والتاريخ قادران على إعادة تشكيل التحالفات عندما تشعر الدول بضرورة حماية أمنها، مظهرة أن القوة الحقيقية تنبع من التضامن والاعتماد المتبادل بين قوى المنطقة ذات الوزن الحقيقي.
في نهاية المطاف، تبدو القراءات المختلفة لهذا الاتفاق كمرايا تعكس مخاوف كل طرف؛ فبينما تراه إيران حصاراً، وتراه إسرائيل عزلة، وتراه أمريكا تراجعاً لنفوذها، يبقى هذا الحلف بمثابة فجر جديد للهندسة الأمنية في الشرق الأوسط، يثبت أن أهل المنطقة أقدر على رسم خارطة استقرارهم بعيداً عن الوصاية الدولية أو الرهانات الخاسرة. لكن يبقى السؤال لماذا استبعدت مصر سعودياً من الحلف ألم تكن هي الأولى؟
المصدر: يلا نيوز نت
تاريخ النشر: 7 أغسطس 2026