العلاقات السورية الصهيونية وصفقات الأراضي وتاريخ الاتصالات السرية والسياسية قبل عام 1948

مقال شامل ومفصل يوثق مسارات الاتصالات التاريخية والمفاوضات وصفقات الأراضي بين الشخصيات السورية والحركة الصهيونية قبل عام 1948.

العلاقات السورية الصهيونية وصفقات الأراضي وتاريخ الاتصالات السرية والسياسية قبل عام 1948
العلاقات السورية الصهيونية وصفقات الأراضي وتاريخ الاتصالات السرية والسياسية قبل عام 1948

مقدمة وتوثيق تاريخي شامل لملف العلاقات والتسريبات في سوريا

تعد دراسة العلاقات والاتصالات السرية بين بعض الأطراف السورية والمشروع الصهيوني قبل عام 1948 من الملفات التاريخية التي ظلت طي الكتمان لعقود طويلة. ورغم أن الوجدان الشعبي والموقف الوطني العام في سوريا كان يرفض التنازل عن فلسطين، إلا أن الأرشيف الصهيوني المرفوع عنه السرية (وخصوصاً وثائق القسم السياسي في الوكالة اليهودية ومذكرات المبعوث إلياهو ساسون) كشف عن تفاصيل دقيقة تتعلق بشخصيات سياسية وإقطاعيين ووسطاء سوريين دخلوا في علاقات تعاون مختلفة مع الصهيونية تشمل التجسس، وتقديم المعلومات الاستخبارية، وطلب التمويل، وإبرام صفقات الأراضي قبل عام 1948. ​

التمييز التاريخي بين القيادات الوطنية والشخصيات المتعاونة

من الضروري التمييز بوضوح بين القيادات الوطنية السورية الشريفة التي رفضت المساومة، وبين النخب والمعارضة التي انخرطت في التعاون؛ حيث شهدت مفاوضات عام 1936 في دمشق وبلودان لقاءات بين وفد الوكالة اليهودية (موشيه شاريت وإيليا إبستين) وقيادات الكتلة الوطنية وعلى رأسهم شكري القوتلي، وفخري البارودي، وجميل مردم بك. ورغم محاولات الوفد الصهيوني تقديم دعم مالي وسياسي للحكومة السورية مقابل الاعتراف بالوطن القومي اليهودي في فلسطين، إلا أن القوتلي والبارودي ومردم بك رفضوا العرض بوضوح قاطع، وأكدوا على التمسك بعروبة فلسطين، بينما اتجهت شخصيات أخرى في المعارضة والإقطاع نحو التعاون المباشر. ​

أبرز الأسماء والشخصيات السورية التي تعاونت مع الحركة الصهيونية قبل 1948

نسيب البكري

سياسي سوري بارز وأحد قادة الثورة السورية الكبرى، تولى لاحقاً منصب محافظ جبل الدروز. كشفت وثائق الوكالة اليهودية والأرشيفات التاريخية أنه كان يُعد من أبرز الشخصيات السورية المقربة من الوكالة اليهودية بين عامي 1937 و1939. أظهرت الوثائق الموثقة أنه تقاضى مبالغ مالية شهرية ومقطوعة مقابل تزويد دافيد بن غوريون وإلياهو ساسون بتقارير استخبارية شاملة، شملت أسماء الثوار الفلسطينيين والسوريين في دمشق، وطرق تهريب السلاح، ومصادر التمويل، وأنشطة قيادات الثورة الموالية للمفتي أمين الحسيني. ​

عبد الرحمن الشهبندر (المعارضة الشهبندرية)

طبيب وسياسي سوري معروف ورائد التيار المعارض للكتلة الوطنية. عقد اجتماعات سرية مع حاييم وايزمان وقادة الوكالة اليهودية في القدس وبيروت خلال عام 1937. طلب الشهبندر دعماً مالياً وصحفياً وسياسياً من الصهاينة لإسقاط حكومة الكتلة الوطنية، مقابل تقديم ضمانات أمنية وتسهيلات ومحاولة بناء صيغة توافقية مع الكيان الصهيوني بعيداً عن الحاج أمين الحسيني. ​

نزيه المؤيد العظم

سياسي سوري وصهر عبد الرحمن الشهبندر. عمل كحلقة وصل ميدانية وسريّة بين المعارضة الشهبندرية والمسؤول الصهيوني إلياهو ساسون، وحضر لقاءات تنسيقية متعددة لتمرير الرسائل والمعلومات السياسية وطلب الدعم المالي لمواجهة الخصوم السياسيين في دمشق. ​

الصحافي عبد الله عبود

صحافي سوري مقيم في دمشق. أظهرت وثائق الوكالة اليهودية أنه تم تجنيده رسمياً لصالح القسم السياسي بالوكالة منذ أيلول/سبتمبر 1935 واستمر حتى عام 1948. كان عبود يرسل تقارير صحفية واستخبارية دورية من دمشق باسمه وعنوانه الصريحين يحلل فيها الأوضاع السياسية الداخلية والمواقف الوطنية من فلسطين مقابل أجر مالي منتظم. ​

كبار ملاك الأراضي وسماسرة حوران (آل يوسف وآل المارديني وآل شمعة)

شخصيات وإقطاعيون سوريون ملكوا مقاطعات عقارية واسعة في حوران والجنوب السوري ومرج ابن عامر والمناطق الحدودية (مثل أفراد من عائلات آل يوسف، وآل المارديني، وآل شمعة). وثقت سجلات بيوع الأراضي والأرشيف الصهيوني قيام بعض أفراد هذه العائلات ببيع مساحات شاسعة من الأراضي أو العمل كوسطاء وسماسرة لتسهيل نقل ملكياتها إلى جمعيات الاستيطان الصهيوني (مثل الكيرين كييمت والبارون روتشيلد) لتحقيق أرباح مالية هائلة. ​

الدوافع والتحديات والنتائج المترتبة على الاتصالات وصفقات الأراضي

تنوعت دوافع الشخصيات المتعاونة؛ فبينما كانت الأطماع المالية البحتة هي المحرك الأساسي لكبار ملاك الأراضي والسماسرة، كانت الخصومات السياسية والرغبة في الوصول إلى السلطة وإسقاط الخصوم هي الدافع لدى بعض رجال السياسة كالبكري والشهبندر. إلا أن اليقظة الشعبية في دمشق وحوران والمواقف الوطنية الصلبة التي جسدها القوتلي والبارودي أدت إلى إحباط معظم المخططات الكبرى للوكالة اليهودية وعزل الشخصيات التي انكشف تعاونها. ​

خاتمة

تكشف الأرشيفات التاريخية الموثقة أن اختراق الوكالة اليهودية للداخل السوري قبل عام 1948 لم يقف عند حدود اللقاءات الدبلوماسية، بل تعداه إلى تجنيد شخصيات سياسية وإقطاعية قدمت خدمات استخبارية وعقارية، مما يبرز حجم الصراع المعقد الذي شهدته سوريا في تلك الحقبة بين التيار الوطني المقاوم والشبكات التي آثرت مصالحها الضيقة. ​

المراجع التاريخية

  • محمود محارب، "العلاقات والاتصالات السرية بين الوكالة اليهودية وقيادات سورية (1936-1939)"، دراسات تاريخية، 2017.
  • Caplan, Neil. "Futile Diplomacy: Early Arab-Zionist Negotiations". Frank Cass, 1983.
  • Batatu, Hanna. "Peasants, Rebels, and Rural Politicians in the Middle East". University of California Press, 1999.
  • Stein, Kenneth W. "The Land Question in Palestine, 1917-1939". University of North Carolina Press, 1984.

المصدر: يلا نيوز نت 

تاريخ النشر: 2026-07-28