جدائل الطين والحرير: كيف عبر التطريز الكنعاني القديم إلى مناطق شرق نهر الأردن؟

اكتشف كيف عبر التطريز الكنعاني القديم من فلسطين إلى شرق نهر الأردن، متناولاً الجذور التاريخية والتحورات البصرية وأشهر الغرز التقليدية بين الضفتين.

جدائل الطين والحرير: كيف عبر التطريز الكنعاني القديم إلى مناطق شرق نهر الأردن؟
جدائل الطين والحرير: كيف عبر التطريز الكنعاني القديم إلى مناطق شرق نهر الأردن؟

جدائل الطين والحرير: كيف عبر التطريز الكنعاني القديم إلى مناطق شرق نهر الأردن؟

لم يكن نهر الأردن في يوم من الأيام حداً فاصلاً بين ثقافتين، بل كان على مر العصور شرياناً حياً يربط الرئة بالرئة، وجسراً تتدفق فوقه الأفكار، والأساطير، وخيوط الحرير. إن التطريز الكنعاني الأصيل، الذي تمتد جذوره الضاربة في عمق التاريخ إلى أكثر من 4500 عام، لم يكتفِ بالاستقرار في حواضر وفراشات ريف فلسطين التاريخية، بل عبر النهر شرقاً منذ فجر التاريخ الكنعاني ليتشابك مع أثواب نساء شرق الأردن، مخلفاً وراءه أثراً بصرياً وقرابة حضارية لا يمكن فصمها.

الجذور التاريخية والترابط بين ضفتي النهر

تؤكد الدراسات الأنثروبولوجية والأثرية أن الهوية الحضارية لضفتي النهر تشكلت ضمن فضاء ثقافي واحد. وتوضح الباحثة ومؤرخة النسيج منى منيّر في أبحاثها الموسوعية أن الأنماط الهندسية والزخارف التي ظهرت على الفخاريات والمنسوجات القديمة في مواقع أثرية مثل "تليلات الغسول" في غور الأردن و"طبقة فحل" (بيلا) شرقاً، تتطابق بشكل مذهل مع الآثار الكنعانية في أريحا ومجدو غرباً. هذا الترابط التاريخي الذي يعود إلى العصر البرونزي يعني أن "أبجدية الإبرة" ورموز الحماية والخصوبة ولدت وتطورت في الضفتين معاً كإرث كنعاني فلسطيني مشترك.

حركة السكان والمصاهرة ودور الأسواق المركزية

انتقل التطريز والأنماط الزخرفية بين الضفتين عبر حركة بشرية مستمرة لم تتوقف. ويشير الطبيب والباحث الأنثروبولوجي د. توفيق كنعان في دراساته حول العادات الشعبية إلى أن القبائل البدوية والعائلات الريفية كانت تتحرك بمرونة كاملة عبر مخاضات النهر بحثاً عن الكلأ أو للتجارة والاستقرار. كانت هذه الحركة مصحوبة دائماً بـ "المصاهرة" وتبادل العرائس. حين كانت العروس الفلسطينية تنتقل إلى بيت زوجها في مدن وقرى شرق الأردن مثل السلط، الكرك، مادبا، وإربد، كانت تحط رحالها حاملة معها "صندوق جهازها" الذي يضم أثوابها المطرزة بغرزة الصليب ونقوش نجمة كنعان وشجرة الحياة.

هناك، كانت تلتقي بنساء العشيرة الجديدة، فتعلمهن الغرز، والوحدات الزخرفية، وطرق صباغة الخيوط بالقرمز والأرجوان، مما جعل الثوب في شرق الأردن يكتسب امتداداً مباشراً للثوب الكنعاني الأصيل.

لعبت الأسواق المركزية دوراً محورياً في نقل هذا الإرث النسيجي؛ فالرحالة السويسري تيتوس توبلر رصد في يومياته نشاط الحركة التجارية بين ريف القدس وبيت لحم وبين مناطق شرق نهر الأردن. كانت قوافل التجار وأبناء شرق نهر الأردن يعبرون النهر بانتظام لشراء الأقمشة الفاخرة وخيوط الحرير الملونة من أسواق نابلس، والقدس، والخليل. وفي المقابل، كانت مواسم الحصاد الشتوية في غور الأردن تشهد تجمعاً بشرياً هائلاً من مزارعي الضفتين، حيث تنقل النساء الفلسطينيات الأفكار والتقنيات التطريزية أثناء فترات الراحة إلى شقيقاتهن في الضفة الشرقية للنهر. هذا الامتزاج اليومي جعل تقنيات مثل "التطريز الكثيف" و"عروق الورد" تنتقل بسلاسة وتتحور محلياً لتناسب طبيعة الحياة في شرق النهر.

الفروقات والتحورات الجغرافية والاجتماعية

لكن على الرغم من وحدة الجذر الكنعاني، إلا أن عبور النهر نحو الشرق فرضته طبيعة جغرافية واجتماعية مغايرة يغلب عليها الطابع البدوي، أدت إلى حدوث تحورات وفروقات طفيفة رصدتها المتاحف التراثية كـ "المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة" و"مركز التراث الفلسطيني":

أولاً: كثافة التطريز ومساحته (الاختزال والتركيز): تميل الأثواب الفلاحية في فلسطين غرب النهر إلى الكثافة العالية جداً، حيث تُطرز مساحات واسعة مثل "القبة"، و"البنايق" (القطع الجانبية)، و"الديال" (الذيل الخلفي) بغرزة الصليب، حتى يكاد يختفي القماش الأصلي تحت الحرير. أما في مناطق الشرق من نهر الأردن، فقد فرضت الحياة البدوية وحياة الترحال والزراعة الجبلية نمطاً يميل إلى الاختزال؛ فصارت النقوش أقل وأخف، وتركزت في مناطق محددة مثل الأكمام، والحواف السفلى، والياقة، لتوخي خفة الحركة؛ كما في "المدقة" الكركية وثوب معان.

ثانياً: تحوير النقوش الهندسية وطبيعة البيئة: حافظت النقوش في فلسطين على طابعها الهندسي الكنعاني الصارم والمبني على غرزة الصليب الحادة؛ فتجد "عرق الورد"، و"قمر بيت لحم"، و"شجرة السرو" بخطوط هندسية بالغة الدقة تعتمد على الحساب البنائي الدقيق لخيوط القماش والمعروف بـ "العدّ". أما في مناطق شرق النهر، فقد تحولت النقوش الهندسية تدريجياً لتصبح أكثر انسيابية وتجريداً، متأثرةً بالبيئة البدوية المفتوحة. فاستُبدلت بعض الأشكال الهندسية المعقدة بنقوش تسمى "السيال" أو "العروق" الطولية الممتدة، والتي تعتمد على غرزة "التحرير" أو "المنجل" الأسرع في التنفيذ.

ثالثاً: حجم الثوب وتأثيره على توزيع النقش (ثوب السلط نموذجاً): يتميز "ثوب السلط" الأردني (الخلق الخسافي) بضخامته الطولية الفائقة التي قد تصل إلى أربعة أمتار، حيث يُطوى القماش طيات متعددة (البطة) عند الخصر. هذا التصميم جعل النقوش تتركز بالكامل على الأطراف السفلى الطويلة جداً والأكمام الشاسعة (الأردان)، بينما تختفي نقوش الوسط والخصر تماماً لأنها تُطوى داخل الثوب، وهو توزيع مغاير تماماً للثوب الفلاحي الفلسطيني غرب النهر الذي يعتمد على الحزام (الشداد) لإبراز تطريز الوسط والخصر.

رابعاً: دلالات الألوان في الزخرفة: في أثواب شرق النهر (مثل أثواب شمال الأردن في إربد والرمثا)، يُستخدم لون خيوط التطريز كعلامة اجتماعية صارمة؛ فالعروس الشابة تُطرز بالخيوط الحمراء والذهبية، بينما تتحول النقوش إلى اللون الأزرق أو الأخضر للمرأة المتقدمة في السن أو الأرملة. أما في فلسطين، فكان تنوع الألوان والنقوش يدل على الجغرافيا والبلدانية (لكل قرية نقشتها وألوانها الخاصة مثل الجمع بين الأحمر والأزرق في غزة، والأحمر الناري في رام الله)، وليس بالضرورة دلالة على الحالة العمرية للمرأة.

المسميات الشعبية للغرز بين الضفتين

تأخذنا المسميات الشعبية للغرز في ضفتي النهر إلى عالم من الذكاء الأنثوي البصري، حيث نجحت النساء في توظيف البيئة المحيطة لتسمية تقنيات التطريز:

1. غرزة التحرير (التطريز الكثيف): تُعرف في فلسطين بغرزة "التحرير والتلحيم"، وهي الغرزة الأساسية التي تميز أثواب بيت لحم التاريخية (ثوب الملك). تُستخدم فيها خيوط القصب الذهبية والفضية وخيوط الحرير لملء المساحات بالكامل، حيث تلتف الخيوط حول حبل رفيع مثبت على القماش لتبدو النقوش بارزة وثقيلة كالدروع. وفي شرق النهر، تحورت هذه الغرزة لتصبح أرق وأخف، واستخدمت لتزيين حواف الأكمام العريضة في "ثوب السلط"؛ حيث تُسمى محلياً بغرزة "السلسلة" أو "الجدلة"، ووظيفتها رسم خطوط رفيعة ملونة تحدد أطراف القماش الأسود لحمايته من التنسل وإعطائه ثقلاً هندسياً أثناء الحركة.

2. غرزة الصليب (القطبة الفلاحية): هي الغرزة السيّدة والأكثر شهرة في فلسطين، وتُسمى "القطبة الفلاحية" أو "العدّ" لأنها تتطلب دقة متناهية في عد خيوط نسيج القماش لتشكيل النقوش الهندسية مثل "الحجاب" و"القرنفلة" و"ريش الحية". وتوظف المتاحف هذه الغرزة كعلامة فارقة للهوية الريفية الفلسطينية غرب النهر. أما في شرق النهر، ونظراً لأن القماش المستخدم في الشرق (مثل قماش الديت الحريري أو الكتان السميك) لم يكن يسمح دائماً بـ "عدّ الخيوط" بسهولة، فقد استبدلت النساء غرزة الصليب في مناطق الوسط والشمال بغرزة "اللف" أو "الرصف"، وهي غرز أسرع تُنفذ فوق القماش مباشرة دون الحاجة لحسابات معقدة، مما جعل النقش يبدو مسطحاً وليس بارزاً كالغرب من النهر.

3. غرزة المنجل (أو المنجلية): تُعد هذه الغرزة واحدة من العلامات الإبداعية لأثواب شمال الأردن (إربد والرمثا) والوسط. وسُميت "المنجل" لأن حركتها الملتوية تشبه شكل منجل الحصاد القديم. تُستخدم لربط قطع القماش الكبيرة ببعضها البعض عند الجوانب (البنايق)، وتُطرز بخيوط حريرية ملونة لتتحول الوصلة الهيكلية للثوب إلى قطعة فنية ظاهرة. وتُعرف الغرزة المقابلة لها في فلسطين بغرزة "الحبكة" أو "الدرزة"، وكانت تُستخدم في أثواب غزة والسبع لربط الأقمشة المصبوغة بالنيلة الزرقاء، لكنها كانت تُنفذ بخطوط مستقيمة وأكثر تحفظاً.

4. نقوش "البنانير" و"الرقيم" في التوثيق المتحفي: تعرض المتاحف التراثية اليوم هذه القطع وفق مسمياتها المحفوظة؛ كـ "نقش الرقيم" الأردني وهو أسلوب تطريز يعتمد على الغرز الطولية المستقيمة، ويظهر بوضوح في أثواب وادي موسى ومعان، حيث تتداخل الألوان بشكل "مُرقّم" أو مخطط يحاكي تموجات صخور البتراء. ويقابله "عرق الورد والتشريف" الفلسطيني وهي الأنماط التي تعرضها المتاحف لإظهار دقة غرزة الصليب في مناطق وسط فلسطين، حيث تتراص الورود الهندسية والخطوط المسننة (التشريف) على قبة الثوب كلوحة فسيفسائية.

التطريز في العصر الحديث: التواصل والتحدي

لم يقتصر انتقال التطريز الكنعاني على التاريخ القديم فحسب، بل شهد القرن العشرون محطة انتقالية كبرى وقاسية عقب نكبة عام 1948 ونكسة عام 1967. مع لجوء مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى الشرق من النهر، تحول التطريز في مخيمات ومدن الأردن من حرفة منزلية إلى وثيقة هوية ورمز للمقاومة والبقاء.

تذكر الباحثة مها السقا أن نساء القرى الفلسطينية المهجرة نقلن معهن أثوابهن وذاكرتهن البصرية إلى الأردن، وفتحن ورشاً ومراكز لتعليم هذه الفنون. هذا العبور المعاصر أدى إلى انصهار نسيجي جديد؛ حيث امتزج التطريز الفلسطيني الفلاحي بالتراث الأردني البدوي والريفي، لينتج حلة معاصرة مشتركة ترتديها النساء في عمان والزرقاء وإربد بفخر، كإعلان حي عن وحدة الدم والتاريخ والحرير الذي لا تقطعه السياسة.

الخاتمة: إرث يتجاوز الحدود

إن بقاء هذه الرموز الكنعانية حية ومستمرة في أثواب مناطق شرق نهر الأردن التوأم لمناطق غرب النهر في فلسطين، وتوثيق مسمياتها وغرزها في متاحف الضفتين، يثبت أن نهر الأردن لم يكن عائقاً بل كان صلة وصل جغرافية وثقافية. لقد تبادلت النساء فوق ضفافه الغرز والرموز والألوان، ليظل هذا التطريز الممتد لأكثر من 4500 عام شاهداً على حقيقة حضارية واحدة: أن الأزياء في فلسطين التاريخية كُتبت بإبرة واحدة، ونُسجت بخيوط من تاريخ مشترك يتجاوز الحدود السياسية المعاصرة، التي رسمها سايكس وبيكو وقسمت الوطن الواحد، ليبقى الثوب وثيقة بقاء ناطقة بالجمال والأصالة الكنعانية.

د. علاء أبوعامر

تاريخ النشر: 11 أغسطس 2026