سر السجود الخالد .. تاريخ الصلاة في الأديان
اكتشف سر السجود الخالد في تاريخ صلاة الأنبياء والتوحيد عبر العصور، وكيف توارثت الأديان هيئة الركوع والسجود وصولاً إلى الإسلام.
بفلم: د. علاء أبوعامر
في البدء لم تكن العبادة كلمات تقال أو طقوساً مظهرية تؤدى على قارعة الطريق، بل كانت حركات جسدية تترجم خضوع الروح التام لخالق الكون. وحين نتتبع خيط الصلاة التاريخي عبر زوايا الزمن الممتد، نجد أن الأنبياء جميعاً من إبراهيم وموسى إلى عيسى ومحمد عليهم السلام، كانوا يملكون لغة جسدية واحدة في مناجاة الحق؛ لغة قوامها الركوع والسجود والخرور على الوجوه تذللاً للواحد الأحد الصمد. إذا فتحنا صفحات التراث الديني المكتوب في أسفار العهد القديم وكتب الأنبياء والمزامير، تنكشف لنا هيئة صلاة الأنبياء بوضوح لا يدع مجالاً للشك.
فهذا نبي الله موسى وأخوه هارون يسجدان "يخران" على وجهيهما تضرعاً لله واستنزالاً لرحمته، كما وثق سفر العدد في الإصحاح العشرين الشاهد السادس بقوله: فأتيا من أمام الجماعة إلى باب خيمة الاجتماع و"خرّا" (سجدا) على وجهيهما، فتنحّى لهما مجد الرب. وتأتي صرخة النبي داود في المزامير مدوية لتعيد صياغة هذا الخضوع الجسدي حين قال في المزمور الخامس والتسعين الشاهد السادس: هلموا نركع ونسجد ونجثو أمام الرب خالقنا. لم يكن داود يصف أمراً مجازياً، بل كان يوثق الهيئة المادية التي تليق بعظمة الإله. وحين بنى سليمان المعبد ووقف ليدشنه أمام المحفل، سجل التاريخ صلاة مهيبة تقشعر لها الأبدان؛ إذ وثق سفر الملوك الأول في الإصحاح الثامن الشاهد الرابع والخمسين أن سليمان جثا على ركبتيه وبسط يديه نحو السماء لاهجاً بالدعاء والتضرع ومستقبلاً القبلة، تماماً كما يفعل المسلمون اليوم في دعائهم وقنوتهم حيث يلتقي جثو الركب برفع الأكف في مشهد مفعم بالخشوع الباطني.
ولم تختلف هذه الهيئة الروحية عندما انتقل الوحي إلى العهد الجديد والكتب غير القانونية المعروفة بالأبوكريفا. فالأناجيل المعتمدة تصف المسيح عيسى عليه السلام في بستان جثسيماني خارج القدس بأنه تقدم قليلاً و"خر " (سجد) على وجهه وكان يصلي، وهو الوصف الحرفي للسجود الكامل كما جاء في إنجيل متى الإصحاح السادس والعشرين الشاهد التاسع والثلاثين. وفي مناطقه المختلفة بين القدس وأرض السامرة، كان عيسى يعلم تلاميذه أن السجود الحقيقي ليس محصوراً في جبل أو مدينة، بل هو سجود بالروح والحق للآب وحده، كما دوّن إنجيل يوحنا في الإصحاح الرابع الشاهد الثالث والعشرين. وتؤكد كتب الأبوكريفا وشهادات المؤرخين الأوائل كالمؤرخ يوسابيوس القيصري في كتابه تاريخ الكنيسة، أن يعقوب البار شقيق المسيح والقيادي البارز في جماعة الناصريين والأبيونيين، كان يقضي ساعات طوالاً داخل المحاريب راكعاً وساجداً حتى تحجر جلد ركبتيه وصار يشبه ركب الإبل من كثرة "خروره" وسجوده لله، مخالفا بذلك جمود المجتمع القبلي والعشائري المغلق للفريسيين وصلفهم.
هذا النقاء العبادي تخلد أيضاً في وصف القرآن الكريم لصفوة الخلق؛ حيث يوجه الخطاب الإلهي إلى مريم العذراء طاهرة العرق والنسب في سورة آل عمران الآية الثالثة والأربعين قائلاً: يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين. فالصلاة المريمية كانت امتداداً لذات المحراب التوحيدي القديم الذي يجمع بين القنوت والركوع والسجود الخفي بعيداً عن رياء الشوارع والأسواق.
حين نضع كل هذا الإرث النبوي المتطابق في كفة، وننظر إلى الصلاة المحمدية الإسلامية في الكفة الأخرى، ندرك على الفور وجه التلاحم والانسياب التاريخي. فالصلاة التي يعيشها المسلم اليوم في مشارق الأرض ومغاربها بخمس مواقيت، تبدأ بالقيام والقراءة، ثم الركوع خضوعاً، ثم السجود تذللاً مرتين، والجلوس تشهداً ودعاء، ليست سوى الصياغة الكاملة والمحفوظة لصلوات إبراهيم وموسى وداود وسليمان وعيسى ومريم ويعقوب البار. ولهذا السبب تماماً، تسمى الصلاة في الإسلام بالصلاة الإبراهيمية؛ لأنها تعيد ربط العبد بالملة الأولى الصافية، وتجرد العبادة من كل التحريفات والطقوس البشرية المبتدعة.
إن الإسلام بهذا المعنى لم يبتدع عبادة جديدة، بل جاء وريثاً شرعياً ووحيداً لرسائل الأنبياء وتراثهم الروحي. لقد حطم الإسلام انغلاق العصبية العشائرية، ونسف طقوس التمايل الفريسية والرياء الظاهري، ليعيد للبشرية صلاتها العربية - الكنعانية والنبؤية الأولى: جبهة على التراب وقلب معلق بملكوت السماء.
نضع هذه الصلاة الإبراهيمية المحمدية في ميزان المقارنة مع صلوات الطوائف التي عاصرت المسيح أو تلك التي تولدت لاحقاً، يتكشف لنا بوضوح كيف انحرفت العبادة عن مسارها النبوي قبل أن يعيدها الإسلام إلى نبعها الصافي. فالفريسيون جردوا الصلاة من جوهرها الخاشع وحولوها إلى استعراض آلي مرائي يقام (وقوفا فقط) قياماً متصلباً في زوايا الشوارع والمجامع لانتزاع مديح العامة. أما الصدوقيون، فلكونهم تياراً مادياً نفعياً ينكر البعث والروح، لم تكن الصلاة عندهم سوى وظيفة سياسية جافة ومكسب طبقي مرتبط بتقديم الأضاحي الحيوانية ومصالح الصرافة والمال داخل معبد حرد (هيرود) العربي الأدومي، فلما دمر الرومان ذلك الصرح المادي تلاشت صلاتهم وانقراضت طائفتهم تماماً من التاريخ لغياب الروح العقائدية.
ومن رحم ذلك التيه الفريسي المرائي، ولدت الديانة اليهودية الحاخامية الحالية بعد القرن الخامس الميلادي عقب تدوين التلمود البابلي، فجاءت صلاتهم المعاصرة استمراراً مباشراً وتحويراً مشوهاً لتلك المظاهر القديمة؛ إذ استبدلوا السجود النبوي بحركات الاهتزاز والتمايل الجسدي المستمر أمام حائط أو في الكنس، واعتمدوا على قراءات ونصوص تلمودية صاغها الأحبار بأيديهم تشرعن السحر والتنجيم وتنافي الفطرة والتنزيه.
في المقابل، يقف الإسلام شاهداً حياً وحارساً وحيداً على صلاة الأنبياء؛ فبينما غرق الآخرون في قشور المظهرية الفريسية، أو مادية الصدوقية الفانية، أو تمايل الحاخامية التلمودية المحدثة، بقيت الصلاة المحمدية محافظة على ذات الهيئة النبوية العربية- الكنعانية العتيقة: قيام خاشع، وركوع خاضع، وسجود كامل يلامس فيه الجبين الأرض عزة لله، لتظل الأمة الإسلامية هي الوارث الحقيقي لإرث الأنبياء الذين صلوا سجوداً لله خالق الأرض والسماء. لأجل هذا السر العبادي العتيق، نجد سراً لغوياً وتاريخياً جلياً في المصطلحات؛ حيث يصر النص القرآني والحديث الشريف على تسمية معبد سليمان ومعبد حرد العربي الأدومي في زمن المسيح عليه السلام بـالمسجد، كما ورد في فاتحة سورة الإسراء، وليس الهيكل أو المعبد أو الكنيس. فالتسمية الإلهية تنبع من حقيقة الجوهر العبادي؛ لأن الصلاة في أصلها سجود، فأينما صلى الإنسان منحنياً بجبهته لخالقه فهو مسجد. وفي هذه الحقيقة اللغوية والعقائدية رد بليغ على بعض من يطلقون على أنفسهم لقب "المفكر العربي" في عصرنا الحديث، والذين يحاولون عبثاً ادعاء أن المسجد الأقصى يقع في مكان جغرافي آخر، مستندين إلى حجة واهية تزعم أن مسمى مسجد لم يكن معروفاً أو مطلقاً على الموقع الحالي للأقصى في تلك الحقب القديمة. ولكن حين نعود في هذا المقال إلى الجذور العميقة لأصول الدين والعقائد، وتاريخ صلوات الأنبياء الموثقة بالخرور على الوجوه، (السجود) نكتشف بيقين لا يتزعزع أن ذلك المكان الطاهر كان منذ البداية مسجداً، شهد سجود الأنبياء الكنعانيين والعرب والأنبياء أجمعين، قبل أن تتبدل المسميات وتتحرف الطقوس.
ولذلك التاريخ القديم والعمق الغيبي تجلٍ مشهود؛ إذ لم تكن صلاة محمد عليه الصلاة والسلام بالأنبياء والرسل جميعاً في رحاب ذلك المسجد، وقبل عروجه إلى السماء، مجرد حدث عابر أو مصادفة تاريخية، بل جاءت لتأكيد حقيقة راسخة: أن هذا الدين وعقيدة الأنبياء وصلواتهم واحدة موحدة في الشكل والجوهر. لقد أمّ النبي الخاتم كل سادات القوافل النبوية على أرض الأقصى بذات الهيئة من ركوع وسجود، ليعلن للكون أن الرسالة قد اكتملت، وأن السلسلة الممتدة من الخشوع قد آلت حلقتها الأخيرة إلى أمة الإسلام، لتظل حارسة السجود والمسجد عبر العصور.
ملاحظة: هذا المقال مقتبس بالكامل من كتابي " في البدء كان إيل" في العلاقة الجدلية بين الإسلام والمسيحية واليهودية. اصدار دار الشروق عمان-رام الله عام 2015.