سيميائية الطين والروح: التَّطريز الفلسطيني كقُدَّاس كنعانيّ ممتد
اكتشف أبعاد التطريز الفلسطيني كطقس كنعاني وتعبيرات روحية ووطنية تربط الأرض بالهوية من خلال القراءة السيميائية العميقة.
بقلم: د. علاء أبوعامر
حين تغرز المرأة الفلسطينية إبرتها في صدر الثوب، فإنها لا تمارس مهارة يدوية عابرة، بل تؤدي طقساً استحضارياً لزمن سحيق، يعيد وصل ما انقطع بين السماء والأرض. إن الثوب الفلسطيني ليس كساءً للجسد، بل هو صلاة أنثوية مستمرة، ومحراب بَصري تتداخل فيه تجليات الروح الدينية، وبصمات الحضارة الكنعانية الأولى، وصرخة الوجود الوطني في وجه عواصف المحو. إنه نص كنعانيّ مُشفّر، كُتب بالحرير ليحيا فوق الأجساد، متجاوزاً أوراق البردي ورُقم الطين التي طحنها القِدَم.
في تفاصيل هذه الأثواب، يتجلى الامتداد الديني والروحي كخيط سميك يربط بين عقائد الخصوبة القديمة والتوحيد الطاهر. إن "النجمة الكنعانية" – التي تُعرف اليوم بنجمة بيت لحم – ليست مجرد هندسة مثالية؛ إنها في عمقها الفلسفي ابتهالٌ بَصري لـ "عشتروت"، إلهة الحب والخصوبة والنماء عند الكنعانيين. حين تطرّز الأم هذه النجمة على أثواب العرائس، فإنها تمنحهنَّ بركة الخصوبة القديمة، وتدعو لهنَّ بامتداد النسل وبركة الحياة. هذه النجمة التي قادت المجوس يوماً إلى مهد المسيح، تحولت في الوجدان الفلسطيني إلى بوصلة روحية تهدّي السائرين في دروب التيه، وتعلن ولادة الأمل من رحم المعاناة المستمرة.
ولا تنفصل العاطفة الدينية عن قدسية الأرض والزراعة؛ فالفلسطيني الذي عبد إله الطقس والمطر "بعل"، نقل تلك العبادة من تقديم القَرابين إلى تقديس "الغرزة". نرى ذلك في عروق الدَّالي، وسنابل القمح، وعروق النخيل التي تزين جوانب الأثواب (البنايق). الحصاد في الوعي الفلسطيني ليس مجرد موسم اقتصادي، بل هو طقس دينيّ ووطنيّ يعبّر عن الالتحام العضوي بالتراب. وهنا، لا تطرّز المرأة السنابل بصمت، بل تحوّل غرزها إلى صدى بَصري لتلك الأهازيج الشعبية التي تملأ البيادر؛ فبينما تتحرك الإبرة صعوداً وهبوطاً لترسم سنبلة القمح، يتردد في المدى صوت الحصادين الشجي وهو يغني للبركة والخير:
"مَنجلي يا مَنجلي.. يالّلي في السَّدا غايب
مَنجلي يا بو رُطَب.. يالّلي في الزَّرع صايب"
هذا التناغم بين حركة المنجل وحركة الإبرة يجعل من الثوب مدونة موسيقية مرئية. الغرز المتراصة التي تحاكي بيادر القمح تشبه الصلوات العميقة لأجل المطر والوفرة؛ إنها إيمانٌ مطلَق بأن الأرض التي تُطعم جسد الإنسان، تحرس روح الهوية من الفناء. وحين تميل الشمس نحو المغيب، وتعود النساء بالحصاد، يرتفع الهتاف الساحر لـ "المنجل الزين"، وكأن الغرز على الثوب تتراقص مع الكلمات:
"يا منجل اِندبْ واِندبْ.. على قفار الذَّهبْ
مَنجلي يا مَن جَلا.. مَنجلي يا بو حَلا"
ومن هنا، يبرز ثوب "شجرة السرو" كعمود كونيّ يربط طين الأرض بملكوت السماء، مجسداً فكرة الخلود والقيامة؛ فالسروة لا تموت واقفة، بل تتحدى الرياح كما يتحدى الفلسطيني النفي والقلع، وتتكامل في شموخها مع أغنيات "الترويدة" و"المهاهاة" التي تُمجّد الصمود والوفاء للتراب.
أما البحر، ذلك الأفُق الأزرق الذي شكّل بوابة كنعان نحو العالم، فقد ترك رذاذه البصري على حواف الأثواب الساحلية في يافا والمجدل وغزة. "عرق الموج" و"القلادة البحرية" المطرّزة على الصدر هي تحية أزلية لإله البحر الكنعاني "يم"، واعترافٌ بأثر الماء في تشكيل الوعي الإنساني. هذا البحر لم يعد مجرد جغرافيا، بل تحول في البعد الوطني إلى وعاء للشوق والعودة؛ فالمرأة المبعدة عن يافا تطرّز موجها على القماش لتمنع البحر من الجفاف في ذاكرة أطفالها، ليصبح الثوب مرساةً تمنع سفينة الهوية من الغرق في محيط اللجوء.
وفي العصر الحديث، انصهرت هذه المعاني الكنعانية والدينية في بوتقة النضال الوطني؛ فبعد النكبة، تحولت "القطبة الفلاحية" من زينة للمناسبات إلى "بيان المقاومة الأول". تخلت المرأة عن براءة الألوان التقليدية أحياناً لتدخل الألوان الأربعة للعلم الفلسطيني في ثوبها، متفاديةً مقص الرقيب العسكري، ومحولةً جسدها إلى راية متنقلة. الرموز التي كانت تعني بركة الآلهة القديمة في مواجهة القحط، أصبحت تعني بركة الصمود في مواجهة الجرافة؛ وصار عرق الزيتون المطرّز قسماً وطنياً غليظاً بأن الجذور التي غرسها الأجداد قبل آلاف السنين لا تملك قوة في الأرض نزعها. إنه التلاحم الأسطوري بين الإله، والأرض، والإنسان، مسبوكاً بضربات إبرة واحدة لا تخطئ طريقها نحو الخلود.