أكناف الذاكرة والتراب — سيرة بيت المقدس في وجدان الحضارة والأرض
سيرة بيت المقدس في وجدان الحضارة والأرض، وتقصي الجذور اللغوية والتاريخية لعروبة فلسطين في مقال د. علاء أبوعامر.
بقلم:د. علاء أبوعامر
لم يكن "بيت المقدس" يوماً مجرد رسم على خارطة، ولا حدوداً خطّتها يد عابرة في جغرافيا المشرق، بل هو نبض ضارب في عمق التاريخ واللغة، ومصطلح صاغته أفئدة العرب وعقولهم منذ غابر الأزمان. إن تقصي سيرة هذا الاسم والبحث في جذوره الدفينة، يكشف عن حقيقة ناصعة تجعل من الجغرافيا والتاريخ واللغة فصولاً في رواية واحدة متصلة، تروي قصة التمسك بالهوية والأرض في وجه كل محاولات الطمس والسطو التاريخي.تبدأ الحكاية من الكلمة نفسها، ففي لغة أهل فلسطين القدامى وجيرانهم في وسط وشمال الجزيرة العربية، كانت كلمة "بيت" تحمل بعداً يتجاوز جدران السكن الضيقة. لقد كانت هذه اللفظة تعني المعبد، والمحراب، ومسكن القداسة. فلم يعرف اللسان الفلسطيني الكنعاني الأصيل مفردات دخيلة، بل ظل الوفاء اللغوي متجهاً نحو "البيت". ومن هنا نبتت أسماء الحواضر والقرى الفلسطينية كشواهد حية تنطق بهذه الحقيقة؛ فكانت "بيت إيل" لتعلن أنه بيت الإله الأكبر، و"بيت دجن" لتشهد على رباط الأرض بزراعتها وقمحها وإلهها الحارس للغلال، وتوالت الأسماء في "بيت حانون" و"بيت لاهيا" لتشهد على روابي السكينة والعبادة، وصولاً إلى "بيت جبرين" و"بيت أولا" و"بيت لخم". إن الأرض كلها محراب ممتد، وتسمية "بيت المقدس" لم تكن بدعاً من القول، بل امتداداً طبيعياً لثقافة راسخة ترى في المركز الديني بيتاً مطهراً ومباركاً.هذا المفهوم الأصيل لم ينتظر الفتح الإسلامي ليتشكل في عقول العرب، بل كان ساكناً في ضمائرهم، تلوكه ألسنة شعراء الجاهلية في رحلات الشتاء والصيف. لقد كان الوعي الجغرافي والروحي بفلسطين كأرض مقدسة ناضجاً ومكتملاً في الذاكرة العربية، ولعل ما أثر عن فحول الشعراء يقطع الشك باليقين؛ فهذا الأعشى الأكبر يوثق حج العرب وأهل الكتاب إلى ذلك الحرم العتيق في قصيدته الميمية حين يقول:
وذا النصب المنصوب لا تنسكنه — ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا
وسبح على دين المسيح وعمران — وحج لبيت المقدس المنقدا
كما تبرز هذه المكانة جلية في حكمة النابغة الذبياني وبائيته الشهيرة التي يمدح فيها ملوك الغساسنة، مشيراً إلى عاصمتهم الروحية وقربهم من الأرض المقدسة باسمها الذي تعارف عليه عرب الجاهلية لعظم مكانتها في نفوسهم:
محلتهم ذات الإله ودينهم — قويم فما يرجون غير العواقب
وحين شرع الفتح الإسلامي أبوابه، وتنزلت الآيات تبشر بالبركة التي حفت المسجد الأقصى، لم يكن المصطلح غريباً على الآذان، بل كان نداءً مألوفاً يجيب عنه الوجدان بلهفة العارف المشتاق.ولم يقف هذا المصطلح عند أسوار المدينة الدائرية، بل تعاظم في الرؤية الإسلامية والعروبية ليشمل دوائر من البركة تتسع لتطوق فلسطين التاريخية بأسرها، وتعبُر ضفاف نهر الأردن نحو الشرق. إن "أكناف بيت المقدس" لم تكن سوى هذا المدى الجغرافي والإداري المتلاحم، حيث امتزجت جبال البلقاء وعمّان وإربد بسهول يافا وغزة ونابلس في جند واحد، جند فلسطين، ليعلن التاريخ أن ضفتي النهر هما رآتا الأرض المباركة، وأن إنسان هذه البلاد شريك في سيرة الصمود وحراسة الحقيقة الحضارية.إن الدفاع عن عروبة فلسطين وجذورها الكنعانية ليس مجرد ترف فكري، بل هو جوهر المعركة الوجودية ضد مشاريع الإحلال والسطو على التاريخ.
وكنت قد كتبت هذه الابيات في إحدى زياراتي القدس والمسجد الأقصى في سنوات اقامتي في رام الله بعد زيارة رافقني فيها صديقي العزيز سليم ابو غزالة "ابو الامين":
"رعى الله بيتا بالقداسة شيدا — ومحراب حق في المداين خلدا
تموت عهود للطغاة وظلمهم — ويبقى بيان الصخر للعهد شاهدا
فما هيكل مزعوم يصنع هوية — لأرض روتها يد كنعان عسجدا
تنادت إليها الأنبياء وكبرت — نفوس رأَت فيها الملاذ المؤبدا
ستبقى عروس المشرقين عصية — ويبقى لسان البيت حرا مجددا
فلا عاصم للزور إن طال ليله — وإن زخرفوا الماضي الكذوب وأوصدا
إذا نطقت سمر السواري بفتحها — تجلى قديم المجد نورا وأصعدا
هي الأرض تدري من بناها ومن سقى — ثراها فما ضل التراب وما صداو
نادت بنا في غمرة الروع ثورة — لتزهر في درب الفخار وتصعدا"
إن "بيت المقدس" سيبقى الاسم الأصيل الذي يشهد على عروبة الأرض وإنسانها، شاهداً بنبرته العروبية الحية على أن التاريخ لا يمكن تزويره بروايات مصنوعة في غرف مغلقة. إن كل حجر في أسوار القدس، وكل اسم قرية يبدأ بكلمة "بيت"، وكل سفح يعانق نهر الأردن، هو وثيقة أزلية تحفظ العهد وتصون الهوية، لتظل هذه الأرض كما كانت دائماً؛ مهد الشموخ، وقبلة الأحرار، وحاضنة قوى التحرر الفلسطينية والعربية والإنسانية حتى تطهير الأرض من رجس الغرباء الصهاينة وحماتهم وعملائهم وعودة الحق لأصحابه.