أوهام البديل الجغرافي لإنقاذ النص من الاسطرة: حين يذرو معول الآثار توراة اليمن المتخيلة
مقال تحليلي يكشف خطأ فرضيات التوراة اليمنية لكمال الصليبي وفاضل الربيعي ويفندها بالأدلة الأثرية واللغوية وتاريخ الهمداني.
بقلم:د. علاء أبوعامر
سكنَتْ دوائرَ الثقافة العربية، في أواخر القرن العشرين، نزعةٌ غريبة رامتْ قلْبَ الحقائق وتجريدَ الأرض التاريخية من ملامحها؛ فظهرتْ فرضياتٌ عاصفة تزعّمها المؤرخ اللبناني كمال الصليبي في أطروحته "التوراة جاءت من جزيرة العرب"، واقتفى أثرَه باحثون آخرون من رواد هذا الطرح مثل فاضل الربيعي وفرج الله ديب. لقد عمد هؤلاء، بجرة قلم واحدة، إلى زحزحة الجغرافيا التاريخية المستقرة في ضمير الزمان، فانتزعوا أحداث التوراة ومسارحها من ضفاف فلسطين، ومصر، وضفّتَي الأردن، ليعيدوا غرسها قسراً في أودية اليمن الوعرة وعقبات عسير الشاهقة. وبقدر ما بدت هذه الأفكار لبعض الهواة "ثورة معرفية" تكسر السائد، فإنها لم تكن عند علماء الآثار وفطاحل النقوش سوى جغرافيا متخيلة صُنعتْ خلف المكاتب، وتهاوتْ صريعةً أمام أول ضربة معول لبيان أثر مادي في بطن الأرض.
إن الخطيئة المنهجية الكبرى التي بنيتْ عليها هذه المدرسة بأسْرها، هي السقوط في فخ "التأثيل اللغوي الزائف"، والولع الشديد بسيمياء الحروف وتجريد الكلمات. لقد أخذ أصحاب هذه الفرضيات أسماء القرى والوديان المعاصرة في الجنوب العربي، وجردوها من حروف علّتها الفصحى، ثم راحوا يطابقونها بالتوهم مع أسماء المواقع المذكورة في الأسفار. فصارت "أورشليم" العتيقة قريةً تُدعى "آل شريم" في عسير، وتحولت بلاد "مصر" العظيمة إلى جيب بري صغير يُدعى "مصرم" في اليمن. وهو مسلك ينطوي على جهالة لسانية كبرى؛ فاللغة العربية واللسان الكنعاني القديم غصنان ينبتان من أرومة عروبية "سامية" واحدة، وتطابق الجذور الثلاثية بينهما في تسمية التضاريس الطبيعية كالآبار، والجبال، والشعاب، هو ضرورة لغوية طبيعية وحتمية، ولا يعني قط تطابق الحوادث البشرية. ولو جاز للعلم أن يتبع هذا العبث الطفولي في تتبع الحروف، لأمكن نقل جغرافيا التاريخ الإنساني كله إلى أي بقعة من الأرض تشترك مواضعها في النطق والصوت.
بيد أن باطن الأرض لا يحابي الأوهام، وصخور التاريخ لا تنطق بالهوى. فبينما تفيض أرض فلسطين، ومصر، والأردن، بآلاف النقوش الحية واللوحات المادية المعاصرة للأحداث، يقف باطن الأرض اليمنية صامتاً صمتاً مطلقاً لا يخالطه شك إزاء أي وجود لبني إسرائيل.
إن مئات البعثات الأثرية التي قلّبتْ تراب مأرب، وتمنع، وظفار، لم تعثر على نقش مسند واحد, أو كسرة فخار، أو مقبرة تشير من قريب أو بعيد إلى أنبياء التوراة من لدن إبراهيم وموسى إلى داود وسليمان. بل على النقيض من ذلك، جاءت النقوش اليمنية الغزيرة لتسرد تفاصيل الملوك التبابعة من سبأ وحمير وقتبان، موثقةً حروبهم، وسدودهم، وعبادتهم لآلهة الجنوب القديمة مثل "ألمقه" و"عثتر".
إن هذا التدقيق الأثري يعيد قراءة جغرافية الوجود الإنساني في الجزيرة بكثير من الصرامة، وتلك الصرامة هي التي صححتْ في الآونة الأخيرة خطأً شائعاً تناقلته الكتب الإخبارية لقرون، حين ظُن أن مواطن عاد وثمود وإرم ذات العماد كانت في الربع الخالي وجنوب الجزيرة، لتأتي نقوش حسمى، وتبوك، والجوف، ومعبد "روافة" الأثري، لتثبت أن موطنهم الحقيقي هو شمال غرب الجزيرة العربية؛ مما يبرهن أن الصخر المحفور والنقش المادي المعاين على الأرض هما الحكمان الوحيدان في فقه التاريخ، وليست الحدوس والتخمينات.
وحتى لو تتبعنا الأصول العرقية واللسانية الباكرة لبني إسرائيل، فإن أرومتهم الحقيقية تفصح عن هوية شمالية صريحة نبتتْ في بادية الشام وشمال جزيرة العرب، لا في أطراف الجنوب. بل إن النص التوراتي ذاته يعترف بهذا المنبت الآرامي الشمالي حين يردد العهد القديم في طقوسه: "آرامياً تائهاً كان أبي، فانحدر إلى مصر وتغرب هناك في نفر قليل". هذا التجذر الآرامي يربط جيل الآباء الأوائل ببيئة الهلال الخصيب وشمال الحجاز، وهي ذاتها المواطن الجغرافية الرعوية التي انطلقتْ منها موجات "شاسو يهوه" (بدو يهوه) الذين سجلتهم الوثائق المصرية القديمة في معبد "صولب" بالنوبة منذ القرن الرابع عشر قبل الميلاد، حيث حدد الفراعنة مواطنهم بوضوح في بلاد مديان وأدوم بشرق خليج العقبة وجنوب الشام.
وتتكامل هذه الشهادات التاريخية مع نقوش موقع "كونتيلة عجرود" في شمال شرق سيناء، حيث عثرت البعثات على جرار فخارية تعود للقرن التاسع قبل الميلاد، حُفرت عليها بالخط واللسان الكنعاني عبارات تذكر "يهوه السامرة" و"يهوه تيمان"؛ والسامرة كما هو معلوم عاصمة مملكة "إسرائيل" الشمالية في فلسطين التاريخية، وتيمان هي البادية الجنوبية المتاخمة لأدوم وفلسطين. فإذا انحدرنا إلى القرن الخامس قبل الميلاد، نجد برديات جزيرة "الفنتين" في أسوان بجنوب مصر، وهي وثائق رسمية حية كتبتها حامية عسكرية من الجنود اليهود باللغة الآرامية، يرسلون فيها خطابات استنجاد رسمية إلى حاكم مقاطعة "يهوذا" في فلسطين، وإلى الكهنة الأكابر في أورشليم والسامرة لإعادة بناء معبدهم. إن هذا الترابط البريدي والسياسي يقطع بأن مراكز القرار الديني لم تكن يوماً غائبة في شعاب اليمن، بل كانت شاخصة ومستقرة في جغرافيا الشام وفلسطين تحت عين الملوك والأكاسرة.
ولو جارينا أصحاب فرملة التاريخ وقرأنا أسفار التوراة من الداخل، لوجدنا أن جغرافيا الطريق والأقوام التي عاشرتْ الرحلة ترفض الهجرة إلى اليمن؛ فالنص يصف مساكن العرب الإسماعيليين بأنهم سكنوا "من حويلة إلى شور التي أمام مصر حينما تجيء نحو أشور"، وهو خط بري يمتد بدقة بين شمال سيناء وبادية الشام. كما أن خط سير الخروج وقوم موسى تحرك من دلتا مصر ليعبر البحر صعوداً إلى برية سيناء، ثم يلتف شرقاً عبر وادي عربة وجبال السراة بجنوب الأردن، ليصطدم هناك بممالك ديموغرافية وسياسية ثابتة في جغرافية الشام وجنوب الأردن، تملك طابعها الأثري الخاص؛ مثل مملكة أدوم، ومملكة موآب صاحبة مسلة الملك "ميشع" الشهيرة المكتوبة بالخط الكنعاني، وممالك العمونيين والعموريين والكنعانيين والفلستينيين في فلسطين. إن محاولة نقل هذه المنظومة الحضارية والسياسية المتكاملة بنقوشها وحروبها وهويتها الجمعية لتوضع تعسفاً في جبال اليمن، تشبه تماماً محاولة زحزحة معالم كبرى وتفاصيل جغرافية ثابتة جيو-سياسياً من قارة إلى قارة بمجرد توهم طارئ.
ولعل المفارقة الكبرى والمسمار الأخير الذي يدق في نعش هذه الفرضية المتهافتة يأتي من عقر دار اليمن ومن لسانها الأكبر، طود علم الجغرافيا والتاريخ العربي، أبو محمد الحسن الهمداني في موسوعته الخالدة "وصف جزيرة العرب". وهنا تتجلى ذروة الوهم؛ إذ بنى فاضل الربيعي جلّ أطروحته وافتراضاته بالاتكاء على كتاب الهمداني هذا، متتبعاً ألقاب القرى والقبائل وبطون الأودية ومستشهداً بعباراته، في حين أن الهمداني نفسه -وفي ذات الكتاب وبقية مصنفاته كـ "الإكليل"- كان ناصع الرؤية، قاطع اللفظ، حين أكد وجزم بأن موطن بني إسرائيل الأصلي، ومسرح حروبهم وعمارهم وأنبياء توراتهم، هو بلاد الشام وفلسطين.
لقد جاب الهمداني اليمن شبراً بشبر، وعرف قبائلها وأنسابها، ولم يقع قط في فخ الجغرافيات المستعارة، بل أورد ذكر بيت المقدس وديار يهوذا في حيزها الشمالي الشامي، فاصلاً إياها فصلاً علمياً حاسماً عن أمجاد التبابعة وممالك سبأ وحمير التي كانت تفخر بحضارتها المستقلة. إن اتخاذ كتاب الهمداني سنداً لنقل جغرافيا التوراة إلى الجنوب، بينما صاحبه يصرخ في صفحاته بأن التاريخ التوراتي شمالي شامىُّ الهوية، هو مفارقة ساخرة تفضح تهافت المنهج في قراءة هذا المصدر، وتثبت تتبع السراب بدلاً من الحقائق المكتوبة، فضلّ المسعى وعاد بالخيبة.
إن تأمل هذه المقارعات العلمية يقودنا إلى استنتاجات بالغة الأهمية والدلالة؛ أولها أن علم التاريخ لا يُبنى بحال من الأحوال على الهواجس اللغوية والتلاعب بظواهر الحروف والانتقائية من بطون الكتب، بل هو علم صارم مادي التكوين، عماده المعاينة، وطبقات الجيولوجيا، واللوحة، والنقش، والفخار، والتوثيق المتواتر المتصل؛ وكلها أدلة مادية قطعية تؤكد كنعانية المسرح التوراتي وشماليته.
وثانيها، أن هذه الفرضيات لم تكن مجرد زلات منهجية بريئة، بل كانت نوعاً من المغامرة الفكرية التي حاولت تجريد الأرض الفلسطينية والشامية من عمقها الأثري الضارب في القدم لحساب تفسيرات تعسفية منعزلة عن سياق التاريخ الإقليمي للمشرق العربي، واصطدمت بأقوال أصحاب المراجع الذين استُشهد بهم قسراً في غير موضعهم.
وآخر هذه الاستنتاجات، أن جغرافية الأرض حقائق ثابتة لا تقبل التزوير أو النقل بورق المكاتب؛ وستبقى فلسطين الكنعانية وشمال الحجاز وشرق الأردن أرض الأنبياء والرسل، والشام بأسْرها هي الحاضنة الجغرافية والتاريخية الكبرى للأحداث التوراتية والإنجيلية ، مثلما ستبقى اليمن العظيمة أرض الآثار الحقيقية، والتبابعة، والسبئيين، غنيةً بأمجادها الذاتية الصادقة، مبرأةً من كل الجغرافيات المستعارة والتواريخ الدخيلة.