أفقٌ مسدود وكفاحٌ ممتد: هل ابتلع الفلسطينيون وهمَ حل "الدولتين"؟
تحليل عميق لمآلات حل الدولتين والواقع السياسي الفلسطيني، بقلم د. علاء أبوعامر، حول انسداد الأفق الدبلوماسي وخيارات المقاومة والكفاح الممتد.
بقلم:د. علاء أبوعامر
في دهاليز الدبلوماسية الدولية، وفي غرف المقابلات المغلقة التي أُنتجت في مختبرات السياسة الغربية، وُلد ما يُسمى "حل الدولتين". لعقودٍ طويلة، رُوّج لهذا الطرح على أنه طوق النجاة الوحيد، والمسار العقلاني الذي سينتهي بإعادة الحقوق لأصحابها. لكن التدقيق في شواهد التاريخ، وفي الوقائع الدامية التي تعيشها الأرض الفلسطينية اليوم، يكشف أن هذا الحل لم يكن سوى ستارٍ دخاني، تمدد خلفه الاستيطان، وتآكلت بسببه الجغرافيا، ليجد الفلسطينيون أنفسهم أمام "كذبة كبرى" ابتلعتها النخب السياسية، بينما كان الواقع يطبخ على نار أيديولوجية وعسكرية مختلفة تماماً.
إن التمعن في المشهد الراهن، وما يشهده قطاع غزة والضفة الغربية من سياسات تنكيل وتطهير عرقي ممنهج، يوضح بجلية أن أطروحة الدولتين ماتت سريرياً، إن لم تكن قد وُلدت ميتة بالأصل. ولم يكن هذا الفشل وليد الصدفة، بل جاء نتاج تواطؤ دولي صامت وعجز إقليمي مريب؛ حيث تحولت الرؤية الغربية من البحث عن "دولة سيادية" للفلسطينيين إلى محاولات مستمرة لتقليص طموحهم الوطني. ويتجلى ذلك في الضغوط التي تُمارس لتعديل المناهج الدراسية، وطمس الهوية الجغرافية والسياسية لمدنهم، وتحويلها إلى مجرد "بلديات كبرى" أو كانتونات معزولة لإدارة الشؤون الحياتية، تحت هيمنة أمنية صهيونية مطلقة.
أمام هذا الانسداد السياسي، يبرز طرح "الدولة الديمقراطية الواحدة" كبديل نظري في أروقة مراكز الأبحاث، لكنه يصطدم مباشرة بالبنية الفكرية والعقائدية للكيان الصهيوني. إن إسرائيل تسعى بوضوح، ومن خلال قوانينها الأساسية كـ "قانون القومية"، إلى ترسيخ دولة ثيوقراطية قومية حصراً، ترفض بنيوياً وبشكل قاطع مبدأ المساواة الديمقراطية مع أصحاب الأرض الأصليين، خوفاً من أي تفوق ديموغرافي فلسطيني قد يهدد هويتها الوجودية.
هذا التناقض الجذري يعيد الصراع إلى مربعه الأول والأساسي: معادلة الصراع الممتد وحرب الاستنزاف. وعلى الرغم من أن الكفة العسكرية والتكنولوجية تميل بشكل فاحش لصالح الاحتلال المدعوم بغطاء استراتيجي غربي مطلق، إلا أن القراءة التاريخية لحركات التحرر الوطني تؤكد أن اختلال موازين القوى لم يكن يوماً نهاية المطاف. فالمواجهة هنا لا تخضع لحسابات الجيوش التقليدية، بل لكلفة الاحتلال البشرية والاقتصادية والسياسية؛ وهو مسار دموي باهظ الثمن، يدفعه المدنيون من لحمهم الحي، لكنه يبقى في نظر المؤمنين بخيار المقاومة الثمن الحتمي والوحيد للانعتاق والتحرر، أسوة بالتجربتين الجزائرية والفيتنامية.
إن إسقاط الأوهام السياسية هو الخطوة الأولى نحو وعي حقيقي بطبيعة المعركة. لقد أثبتت الأيام أن الرهان على الوعود الغربية أو الحلول الدبلوماسية المعلبة لم يورث سوى المزيد من قضم الأرض وتصفية القضية. وفي ظل نظام فصل عنصري يتمدد ويهيمن على كامل فلسطين التاريخية، يبدو أن المنطقة مقبلة على صراع وجودي صفري وممتد عبر الأجيال، صراع لن تحسمه طاولة المفاوضات، بل ستحدده في نهاية المطاف قدرة الشعب الفلسطيني على الصمود، وتحولات موازين القوى الإقليمية والدولية الشاملة التي لا تبقى ثابتة أبد الدهر.