المفاوضات الأمريكية الإيرانية .. قصف اعلامي متبادل
تصريحات نارية لقاليباف وتطورات عاصفة في مفاوضات بورغنشتوك السويسرية بعد تهديدات ترامب الأخيرة لإيران وخطاب حاسم للأمين العام لحزب الله.
زلزال سياسي يعصف بمفاوضات بورغنشتوك: قاليباف يتحدى واشنطن وحزب الله يعلن سقوط مخططات الإنهاء
تتسارع الأحداث في الشرق الأوسط بشكل دراماتيكي، واضعة المنطقة فوق صفيح ساخن جراء تقاطعات سياسية وعسكرية معقدة، حيث تشابكت خيوط الدبلوماسية في سويسرا مع لغة الحسم في طهران وبيروت. وجاءت التصريحات الأخيرة لرئيس مجلس الشورى الإسلامي الإيراني، محمد باقر قاليباف، بمثابة هجوم مضاد وعلني على التوجهات الأمريكية، في وقت شهدت فيه أروقة منتجع بورغنشتوك السويسري انسحاباً إيرانياً مفاجئاً قلب الطاولة الدبلوماسية، متزامناً مع إطلالة مفصلية للأمين العام لحزب الله أكد فيها تبخر الرهانات على إنهاء قوى المقاومة.
قاليباف يفتح النار على التهديدات الأمريكية: قواتنا جاهزة للرد بطرق غير تقليدية
في قراءة إيرانية واضحة لطبيعة الصراع الحالي، قلل رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف من وزن التهديدات الأمريكية، معتبراً إياها مجرد صدى لحالة من "الانسداد والعجز" التي تعاني منها إدارة واشنطن. وشدد قاليباف على أن طهران تجاوزت منذ زمن طويل مرحلة الاكتراث بـ "البروباغندا" والوعيد الأمريكي، مشيراً إلى أنه لو كانت هذه الأساليب مجدية ميدانياً أو سياسياً، لما وجدت الولايات المتحدة نفسها في هذه الوضعية الراهنة التي تتسم بقلة الحيلة أمام النفوذ الإيراني.
ولم تخلُ كلمات المسؤول الإيراني الرفيع من لهجة تحذيرية شديدة ومباشرة، إذ دعا صُنّاع القرار في واشنطن إلى مراجعة أدبياتهم السياسية وتوخي الحذر الشديد قبل إطلاق أي تصريحات هجومية. وأوضح أن القوات المسلحة الإيرانية لا تكتفي بوضعية الدفاع، بل هي في أعلى درجات التأهب للرد وبطرق غير متوقعة تماماً خارج الحسابات التقليدية، لافتاً إلى أن المعادلة على الأرض تصيغها الأفعال لا الخطابات، قائلاً: "مهما أكثر الأمريكيون من الكلام فنحن من نتحرك وننفذ على أرض الواقع".
كواليس بورغنشتوك: انسحاب إيراني احتجاجي وتعليق سريع للاجتماع الرباعي
هذا المناخ المحتقن سرعان ما انتقل صداه إلى سويسرا، حيث تحولت أروقة المفاوضات الدبلوماسية إلى ساحة مواجهة مفتوحة. ونقلت وكالة "تسنيم" الدولية للأنباء عن مصادر قريبة من الوفد الإيراني المفاوض، أن الأخير قرر مغادرة قاعة الاجتماعات في بورغنشتوك فوراً كخطوة احتجاجية حاسمة على التهديدات الاستفزازية الصادرة عن دونالد ترامب، مؤكداً رفض إيران القاطع لأسلوب الابتزاز السياسي خلف الكواليس.
الخطوة الإيرانية أحدثت إرباكاً واضحاً في مسار التهدئة، حيث أكدت وكالة "فارس" تعليق أعمال الاجتماع الرباعي في سويسرا بعد 80 دقيقة فقط من بدايته، وذلك لمنح الوفود فرصة لإجراء مشاورات داخلية طارئة لبحث كيفية إنقاذ الجلسات. وفي سياق متصل، حسم التلفزيون الإيراني الجدل الدائر حول طبيعة النقاشات، مؤكداً عبر مصادره الخاصة أن الجولة الأولى لم تشهد مطلقاً طرح أو مناقشة أي بند يتعلق بالملف النووي، بخلاف ما حاولت بعض وسائل الإعلام الغربية الترويج له.
الأصول المجمدة وإعفاءات النفط: مسارات معلقة برسم جبهة لبنان
رغم هذا الشرخ الدبلوماسي، تكشفت بعض التفاصيل الحيوية عما دار في الجلسة المغلقة قبل انفجارها؛ حيث أوضح عضو في الوفد الإيراني المفاوض للتلفزيون الرسمي أن طهران ركزت بكل ثقلها على الشق الاقتصادي والمالي المرتبط برفع الغبن عن شعبها. وتناولت المحادثات آليات واضحة وجدولاً زمنياً للإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج، بالإضافة إلى صياغة الترتيبات النهائية لمسودة تمنح طهران إعفاءً مؤقتاً من عقوبات التصدير النفطي، وهي المسودة التي قيل إنها وصلت إلى مراحلها الأخيرة قبل تعليق الاجتماعات.
إلا أن المفاجأة الأبرز في الموقف الإيراني تجلت في ربط المسارات؛ إذ أعلن المفاوض الإيراني بوضوح لا لبس فيه أن بلاده لن تفتح أي ملفات إقليمية أو قضايا أخرى على طاولة التفاوض، ما لم يتم وضع حد نهائي وبشكل فوري للحرب الدائرة في لبنان. هذا الربط يعكس بوضوح عمق التحالف العضوي بين طهران وقوى المقاومة، ورفضها مقايضة الملفات الاقتصادية بالملفات السياسية والأمنية لحلفائها.
الأمين العام لحزب الله: العدوان فشل وسندير معركة السيادة بتنسيق وطني
من جانبه، جاء خطاب الأمين العام لحزب الله ليضع النقاط على الحروف ميدانياً، معلناً وبشكل رسمي إحباط المخطط الكبير الذي كان يستهدف تصفية المقاومة وإنهاء النفوذ الإيراني في المنطقة. وأكد أن الآلة العسكرية للاحتلال الإسرائيلي، رغم حجم الدمار، عجزت تماماً عن تحقيق أي من سقف أهدافها السياسية أو الاستراتيجية في لبنان، وأن صمود الجبهة فرض معادلات جديدة لا يمكن تجاوزها في أي مفاوضات مستقبلية.
وحمل الأمين العام واشنطن المسؤولية الكاملة عن تغطية واستمرار الجرائم والانتهاكات الإسرائيلية، معتبراً إياها المحرك الأساسي للعدوان. وفي ذات الوقت، وجه رسالة إلى الداخل اللبناني بضرورة التقاط اللحظة السياسية والاستفادة من مسار التفاهمات الدبلوماسية الجارية بين طهران وواشنطن لتثبيت حقوق لبنان السيادية، مؤكداً أن الحزب يعمل بتنسيق وثيق وتكامل تام مع الجيش الوطني اللبناني باعتباره المسؤول عن حماية سيادة البلاد، مشدداً على أن المقاومة لن تتهاون في التعامل مع أي خروقات إسرائيلية وفق ما تراه مناسباً على الأرض.
معادلة وقف القتال الصارمة: لا وجود للاحتلال ولا حرية حركة عسكرية
وفيما يخص طروحات التهدئة، رسم الأمين العام لحزب الله خطوطاً حمراء غير قابلة للنقاش؛ موضحاً أن المقاومة التزمت دوماً بالاتفاقات، في حين أن كيان الاحتلال هو من يملك سجلاً حافلاً بالخروقات والالتفاف على البنود. وأكد صراحة أنه لا توجد في قاموس المقاومة صيغة تسمى "وقف إطلاق النار مع الاحتفاظ بحرية الحركة لإسرائيل"، معتبراً أن مثل هذا الطرح هو شرعنة لاستمرار العدوان بثوب جديد وهو ما لن يمر أبداً.
وجدد التأكيد على أن وقف إطلاق النار الفعلي يعني كف يد الاحتلال بالكامل وبشكل متزامن برأ وبحراً وجواً، مشيراً إلى أن بقاء أي جندي إسرائيلي على شبر واحد من الأرض اللبنانية هو أمر مستحيل وسيجابه بنيران المقاومة. وخلص إلى أن أي محاولة لفرض شروط ميدانية مسبقة ستسقط أمام إصرار اللبنانيين على انتزاع سيادتهم كاملة غير منقوصة.
ترامب يشعل الفتيل: خلفيات التهديدات الأخيرة التي فجرت المحادثات
تأتي هذه التطورات المتلاحقة كارتداد مباشر لسياسة حافة الهاوية التي تتبعها الإدارة الأمريكية، والمتمثلة في تهديدات ترامب الأخيرة لإيران ومصالحها الحيوية في المنطقة. ترامب، ومن خلال تصريحاته الأخيرة المتشنجة، لوح بفرض طوق من العقوبات الاقتصادية القصوى التي تهدف إلى خنق شرايين الاقتصاد الإيراني وقطع صادرات النفط بالكامل، فضلاً عن تلميحاته المستمرة بجهوزية الخيار العسكري لضرب منشآت حيوية وتقويض خطوط الإمداد اللوجستي لجبهات المقاومة في المنطقة. هذه الاندفاعة الهجومية من ترامب كانت القشة التي قصمت ظهر محادثات بورغنشتوك، حيث رفضت طهران منطق الإملاءات تحت ظلال التهديد، لتفتح المنطقة بذلك فصلاً جديداً ومفتوحاً على كل الاحتمالات بين المواجهة الدبلوماسية والتصعيد الميداني.
المصدر: وكالات إيرانية ولبنانية
تاريخ النشر: الأحد، 21 يونيو 2026