انطلاق الفعاليات الثقافية والندوات الفكرية في الدورة الأربعين لمهرجان جرش

في أجواء تراثية ساحرة، انطلقت فعاليات الندوات الفكرية والأمسيات الأدبية للدورة الأربعين من مهرجان جرش للثقافة والفنون، وسط مشاركة واسعة من المفكرين والأدباء العرب لتعزيز الهوية الثقافية.

انطلاق الفعاليات الثقافية والندوات الفكرية في الدورة الأربعين لمهرجان جرش
انطلاق الفعاليات الثقافية والندوات الفكرية في الدورة الأربعين لمهرجان جرش

جرش الشاهدة على التاريخ.. انطلاق الأمسيات والندوات الفكرية في الدورة الأربعين لمهرجانها الثقافي والفني الدولي

في حضرة التاريخ وتحت ظلال الأعمدة الرومانية التي شهدت على تعاقب الحضارات، افتتحت رسمياً الندوات الفكرية والأمسيات الأدبية المصاحبة لمهرجان جرش للثقافة والفنون في دورته الأربعين. هذا الحدث الذي تحول عبر العقود إلى منارة إشعاع حضاري، يجدد موعده هذا العام بطروحات فكرية عميقة تعكس الواقع العربي الراهن، وتناقش مستقبل الإبداع الإنساني في عالم متسارع التغيرات.

تأتي هذه الدورة الاستثنائية، التي تحمل الرقم أربعين في مسيرة المهرجان، لترسخ مكانة الأردن كحاضنة للفكر العربي الحر والمسؤول. ولم يعد مهرجان جرش مجرد منصة للعروض الموسيقية والفلكلورية الفنية فحسب، بل بات مختبراً حقيقياً للأفكار، ومنبراً تلتقي فيه نخب المبدعين من فلاسفة، ومفكرين، وشعراء، وروائيين من شتى أقطار الوطن العربي والعالم.

الافتتاح الفكري: تجديد الخطاب الثقافي العربي

استهلت اللجنة الثقافية للمهرجان برامجها بعقد الندوة الفكرية الكبرى في مركز الملك عبدالله الثاني الثقافي، والتي حملت عنوان "الخطاب الثقافي العربي في عصر التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي". وشهدت الجلسة الافتتاحية حضوراً لافتاً من وزراء ثقافة عرب، وأكاديميين، ومثقفين مهتمين بمستقبل الهوية العربية.

ركزت الأوراق البحثية المقدمة في الجلسة الأولى على التحديات الوجودية التي تواجه الثقافة العربية التقليدية أمام زحف التكنولوجيا. وناقش المشاركون آليات توظيف التقنيات الحديثة لحماية التراث الشفاهي والمكتوب، دون التنازل عن الأصالة والمعايير الجمالية والفكرية التي تميز الإبداع العربي. وأكد المتحدثون أن الدورة الأربعين للمهرجان تمثل نقطة تحول محورية في إستراتيجية المهرجان الثقافية، حيث يتم التركيز على صياغة مشروع ثقافي عربي قادر على مواكبة العولمة والاشتباك الإيجابي معها.

الأمسيات الشعرية: ترانيم فوق أدراج التاريخ

بالتوازي مع النقاشات الفكرية، شهد المسرح الشمالي والساحات الأثرية القديمة انطلاق الأمسيات الشعرية الكبرى، والتي تجمع هذا العام قامات شعرية عربية بارزة إلى جانب أصوات شبابية واعدة. امتلأت المدرجات التاريخية بجمهور غفير جاء ليتذوق عذوبة الكلمة وسحر القافية، في أجواء امتزج فيها عبق الماضي بجمال الحاضر.

تنوعت القصائد الملقاة في اليوم الأول بين الوجدانيات، والقصائد الوطنية التي تلامس الهم العربي المشترك، وقصائد النثر الحديثة التي تطرح تساؤلات وجودية وفلسفية. وكان لافتاً التفاعل الجماهيري الكبير مع المبدعين، مما يؤكد أن الشعر ما زال ديوان العرب، وأن الكلمة الصادقة تملك القدرة على حشد القلوب والعقول ومخاطبة الوجدان الإنساني العابر للحدود.

ندوات السرد والترجمة: جسور نحو الآخر

من الجوانب المضيئة في برنامج هذا اليوم، الندوة المتخصصة حول "واقع الرواية العربية وترجمتها إلى اللغات العالمية". واعتبر النقاد المشاركون أن الرواية العربية تعيش حالياً عصرها الذهبي من حيث الكم والكيف، إلا أنها ما زالت تواجه عوائق تسويقية وفنية تحول دون وصولها بالشكل الأمثل إلى القارئ الغربي.

كما سلطت الندوة الضوء على أهمية مهرجان جرش كمنصة للتبادل الثقافي، حيث تتيح اللقاءات المباشرة بين المترجمين والناشرين الأجانب وبين الكُتّاب العرب فرصة حقيقية لمد جسور التواصل الإنساني. وتطرق المشاركون إلى موضوع "أدب الأزمات"، وكيف استطاع الروائي العربي توثيق التحولات السياسية والاجتماعية التي عصفت بالمنطقة خلال العقد الأخير، محولاً الألم الإنساني إلى نصوص إبداعية خالدة تمتاز بالعمق والموضوعية.

الملتقى الثقافي للشباب: جيل جديد يقود التغيير

تميزت الدورة الأربعين بإفراد مساحة واسعة وغير مسبوقة للمثقفين والمبدعين الشباب من خلال "ملتقى جرش لشباب الجامعات". وشهد هذا الملتقى ورش عمل تفاعلية ناقشت قضايا وصناعة المحتوى الثقافي الرقمي، وكيفية استغلال منصات التواصل الاجتماعي لنشر الوعي الثقافي ومحاربة الأفكار الهدامة والتطرف.

وأعرب العديد من المشاركين الشباب عن امتنانهم لإدارة المهرجان التي أتاحت لهم فرصة الاحتكاك المباشر مع جيل الرواد من المفكرين والأدباء، مؤكدين أن الثقافة ليست جامدة، بل هي كائن حي يتطور بتطور الأجيال، وأن الشباب العربي يملك الطاقة والرؤية لتقديم إضافات نوعية للمشهد الثقافي العام.

أبعاد ودلالات تنظيمية

تثبت هذه التظاهرة الثقافية الكبرى قدرة الدولة الأردنية على تنظيم فعاليات دولية رفيعة المستوى تجمع بين متطلبات الحفاظ على الصحة والسلامة العامة، وبين توفير أجواء إبداعية متميزة تليق بسمعة الأردن ومكانته التاريخية. وقد تم تسخير كافة الإمكانيات اللوجستية والفنية والإعلامية لضمان نقل فعاليات المهرجان إلى مختلف أنحاء العالم عبر البث المباشر والمنصات الرقمية.

رسالة من جرش إلى العالم

إن انطلاق الأمسيات والندوات الفكرية في مهرجان جرش الأربعين يبعث برسالة قوية وواضحة من قلب الأردن إلى العالم أجمع؛ مفادها أن الفعل الثقافي هو السلاح الأقوى في مواجهة الظلام، وأن حوار العقول والأفكار هو السبيل الوحيد لبناء مستقبل إنساني مشرق. جرش اليوم لا تحتفل بالماضي فحسب، بل تصنع الحاضر وتستشرف آفاق المستقبل، لتظل دائماً عاصمة متجددة للمحبة، والسلام، والإبداع العربي والعالمي الأصيل.

المصدر: يلا نيوز نت

تاريخ النشر: 23 يوليو 2026