بين مرافئ النص ومصبّات التاريخ: رحلة في فضاءات السُنّة والزيدية
اكتشف أبرز أوجه التقارب والاختلاف بين المذهبين السني والزيدي في الفقه والسياسة والتاريخ الإسلامي
بقلم:د. علاء أبوعامر
في جغرافيا الفكر الإسلامي المتسعة، تشبه المذاهب والأفكار أنهاراً تتدفق من نبع واحد، لكنها تسلك دروباً شتى، وتصنع لنفسها تضاريس متميزة عبر التاريخ. ومن بين هذه المسارات الممتدة، يبرز المذهب السني والمذهب الزيدي كنموذجين فريدين للتنوع المعرفي والفقهي؛ حيث يلتقيان في ثوابت العقيدة الكبرى، ويفترقان في تفاصيل الإمامة والسياسة، في حوار فكري متصل لم ينقطع منذ قرون طويلة.
تبدأ القصة من لحظة تاريخية فارقة، تمثلت في البحث عن طريقة لإدارة شؤون الأمة بعد غياب النبوة. هنا، اختط أهل السنة والجماعة طريقاً يرى في الخلافة منصباً سياسياً ودينياً يقوم على الشورى واختيار أهل الحل والعقد، دون حصر هذا الحق في سلالة بعينها، مؤكدين على احترام وترتيب الخلفاء الراشدين الأربعة بحسب تسلمهم مقاليد الأمور. وفي المقابل، نبتت شجرة الزيدية من رحم التجربة الشيعية، وتحديداً مع خروج الإمام زيد بن علي ثائراً ضد الأمويين، لتصيغ مفهوماً مغايراً للإمامة. فالزيدية يقررون أن القيادة حق شرعي في ذرية الإمام علي بن أبي طالب من ولد الحسن والحسين، لكنهم في الوقت ذاته تميزوا عن بقية أطياف الشيعة بنظرة متوازنة وفريدة؛ إذ قبلوا بخلافة أبي بكر وعمر وعذروهما، واعتبروا أن تقديم "المفضول" على "الأفضل" سائغ ومقبول شرعاً لحفظ بيضة الإسلام ووحدة المسلمين.
هذا التناغم بين الأصل الشيعي والاقتراب الفقهي من السنة، جعل الزيدية يُعرفون في أدبيات التاريخ بأنهم جسر التواصل بين المذاهب. ولعل انعكاس هذا الجسر يظهر جلياً في مصادر التشريع وأصول الأحكام. فبينما يعتمد الفقه السني على القرآن والسنة النبوية والإجماع والقياس، ويميل في مدارسه إلى التحري الشديد في نقل الأثر، نجد أن الفقه الزيدي يسير في نفس الركاب مستنداً إلى القرآن والسنة والإجماع والقياس، مع منح مرويات أهل البيت مكانة أثيرة، ومزج الأحكام بنفحة عقلانية واضحة استعارت بعض أدواتها من المدرسة المعتزلية في التفكير الحر والتحليل والتعليل.
ولم تقف الفروق عند عتبات الفكر السياسي، بل امتدت لتظهر في تفاصيل العبادات اليومية والمشاهد المشهودة للمسلمين. ففي الصلاة، يقف المسلم السني حانياً يديه فوق صدره أو بطنه في مشهد يملؤه الخشوع، في حين يرسل المسلم الزيدي يديه إلى جانبيه في الصلاة مستنداً إلى تراث فقهي يرى في الإسبال هيئة الصلاة الأصيلة. وحتى نداء المآذن يحمل في طياته هذا التنوع؛ فبينما يكتفي الأذان السني بالعبارات المعهودة، يرتفع الأذان في حواضر الزيدية بعبارة "حي على خير العمل"، لتكون شاهداً صوتياً على خصوصية المذهب.
وفي شؤون الدنيا والحكم، تباينت الرؤى في كيفية التعامل مع الحاكم الجائر. فالمذهب السني يميل في مجمله إلى الصبر على جور الحكام تجنباً لإراقة الدماء وصوناً للمجتمع من الفتن والحروب الأهلية، ما لم يظهر من الحاكم كفر بواح. أما الزيدية، فقد جعلوا من "الخروج على الظالم" ركناً أساسياً من أركان مذهبهم، واشترطوا فيمن يتولى الإمامة أن يمتشق سيفه معلناً ثورته على الباغي، وهي نزعة ثورية مستمدة من سيرة مؤسس المذهب الذي بذل روحه في سبيل مبادئه.
إن المقارنة بين المذهبين السني والزيدي ليست صراعاً بين حق وباطل، بل هي قراءة في سفر الاجتهاد الإسلامي الرحب. لقد أثبت المذهبان عبر التاريخ أن الاختلاف في الفروع والسياسة لا يعني بالضرورة هدم الأصول، وأن المساحات المشتركة بين البشر أوسع بكثير من الخلافات الطارئة. وتبقى الزيدية، بروحها المعتدلة وفقهها القريب من السنة، نموذجاً حياً على أن الإسلام يتسع للقراءة العقلية والأثرية معاً، وأن التنوع لم يكن يوماً ضعفاً، بل هو ثراء يغني حضارتنا ويمنحها البقاء والتجدد.