زلزال سبتمبر الجيوسياسي: توازنات الرماد وإعادة رسم الخارطة اليمنية

زلزال سبتمبر الجيوسياسي في اليمن يعيد رسم الخارطة العسكرية وموازين القوى في باب المندب ومأرب وسط تحولات إقليمية ودولية كبرى.

زلزال سبتمبر الجيوسياسي: توازنات الرماد وإعادة رسم الخارطة اليمنية
زلزال سبتمبر الجيوسياسي: توازنات الرماد وإعادة رسم الخارطة اليمنية

بقلم:د. علاء أبوعامر 

لم تكن المشاهد القادمة من الساحل الغربي لليمن، وضفاف مضيق باب المندب، وتلال مأرب الملتهبة في هذه الأيام من سبتمبر 2026، مجرد مناوشات عسكرية عابرة، بل كانت زلزالاً جيوسياسياً هدم معادلات توازنت لسنوات، وأعاد رسم موازين القوى بريشة النار والوقائع المفروضة على الأرض. إن السقوط المتسارع لميناء المخا الإستراتيجي، وبسط جماعة أنصار الله (الحوثيين) سيطرتها الكاملة على المضيق الدولي الممتد عبر جزر ميون وزقر وحنيش، بالتزامن مع الهجوم البري الأشرس على تخوم مأرب، يمثل ذروة التحول من حرب الاستنزاف الموضعية إلى حرب التموضع الإستراتيجي الكبير المرتبط بملفات الإقليم المتفجرة.

لقد كشف هذا الانكسار الميداني المفاجئ عن شرخ عميق في بنية التحالف اليمني المناهض للحوثيين والمقاد عسكرياً وسياسياً من قِبل المملكة العربية السعودية. وتجلت بوضوح تداعيات تعدد الأجندات وغياب الرؤية المشتركة بين قوى هذا التحالف التي تفتقر إلى غرفة عمليات عسكرية موحدة؛ فبينما كانت القوات الحكومية (الجيش الوطني) تخوض معركة حياة أو موت مستبسلة لحماية معقلها النفطي والغازي الأخير في مأرب بالشمال، كانت الفصائل الأخرى المنضوية تحت مظلة "مجلس القيادة الرئاسي" تتحرك بدوافع متباينة. فالقوات المشتركة بقيادة طارق صالح، وألوية العمالقة بالساحل الغربي، واجهت ضغوطاً بنيوية وتحديات لوجستية قاسية، في حين يركز "المجلس الانتقالي الجنوبي" جلّ طاقته على تأمين المحافظات الجنوبية بهدف استعادة دولة ما قبل الوحدة (عام 1990)؛ مما جعل الحسابات السياسية والمناطقية الضيقة تعلو فوق التنسيق العسكري، وتمهد الطرق أمام زحف الخصم.

في المقابل، تحركت جماعة أنصار الله وفق استراتيجية النفس الطويل واستغلال الثغرات الفجائية؛ فبررت زحفها نحو الساحل ومأرب بأنه معركة لاستعادة الثروات السيادية المنهوبة وكسر الحصار الاقتصادي والمحاصرة الجوية التي تفرضها الرياض. وفي الوقت نفسه، وظفت الجماعة هذا التقدم لرفع سقف أوراقها التفاوضية في الصراع الإقليمي الأوسع، عبر توجيه رسالة صريحة للمجتمع الدولي بأن مفاتيح الحركة في البحر الأحمر وممرات الطاقة العالمية باتت تحت قبضتها، متجاوزة بذلك حدود الجغرافيا اليمنية لتصبح رقماً صعباً في معادلات الأمن الدولي. يضاف إلى ذلك التحول الجيوسياسي للرياض نفسها، والتي مال سلوكها مؤخراً نحو الدبلوماسية لتأمين حدودها ومنشآتها عبر تقليص كثافة الغارات الجوية، مما حد من قدرة القوات البرية للتحالف على الصمود في اللحظات الحرجة.

هذه التحولات الدراماتيكية تضع "مجلس القيادة الرئاسي" أمام اختبار وجودي قد يهدد تماسكه الهش، في وقت تبحث فيه السعودية عن خيارات بديلة ومحدودة للرد بين استئناف الضغط الجوي العنيف أو القبول بالأمر الواقع والذهاب نحو تسوية سياسية قسرية. كما أن سقوط باب المندب وجزره الحاكمة في يد الجماعة لم يعد شأناً محلياً، بل أثار صدمة لدى القوى الدولية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة، التي ترى في هذا التحول تهديداً مباشراً لحرية الملاحة الدولية وممرات الطاقة وسط قلق من فرض حصار بحري يربك الاقتصاد العالمي.

وسط هذا الصراع المسلح، تبرز المأساة الإنسانية كأكبر ضحايا هذا التحول؛ حيث تدفق عشرات الآلاف من النازحين في طوابير طويلة هرباً من النيران المستعرة في ريف تعز ومحيط مأرب والمخا. هذه المشاهد تعكس الفجوة الهائلة بين الحسابات السياسية الكبرى للأنظمة والجماعات، وبين واقع الإنسان اليمني الذي بات يدفع فاتورة الصراع من أمنه، واستقراره، وقوته اليومي، في ظل عجز دولي يكتفي ببيانات القلق والتحذير من تفاقم الكارثة.

إن المشهد اليمني في سبتمبر 2026 يقف عند منعطف تاريخي يغلق الباب تماماً أمام أي أوهام حول إمكانية العودة إلى صيغة الحكم السابقة أو حدود ما قبل التصعيد الأخير. لقد فرضت التطورات الميدانية واقعاً جديداً يوجب على جميع الأطراف، إقليمية ومحلية، الاعتراف بأن لغة السلاح قد رسمت حدوداً سياسية وجغرافية جديدة على الأرض. ولم يعد السؤال الآن من سيربح الحرب، بل كيف يمكن صياغة سلام واقعي يحقن دماء اليمنيّين، وينهي معاناتهم الإنسانية، ويحمي استقرار المنطقة قبل أن تلتهم نيران التصعيد ما تبقى من أشلاء الدولة ومؤسساتها.