بين وهج الأسطورة وحقيقة الأثر: قراءة تاريخية في تفكيك النص التوراتي

قراءة علمية وأثرية للعهد القديم بعيداً عن التطرف الأدلجي، تكشف جذوره الميثولوجية المستمدة من حضارات المشرق وقيمته التاريخية.

بين وهج الأسطورة وحقيقة الأثر: قراءة تاريخية في تفكيك النص التوراتي
بين وهج الأسطورة وحقيقة الأثر: قراءة تاريخية في تفكيك النص التوراتي

بقلم:د. علاء أبوعامر 

يقع الكثير من القراء والمعلقين اليوم في فخ النظرة الأحادية عند تقييم أسفار العهد القديم، حيث يندفع البعض إلى وصفها بالخرافات المطلقة التي لا قيمة لها، في المقابل يتعامل معها آخرون كحقائق مطلقة لا يأتياتها الباطل. وبين هذين النقيضين، تضيع الحقيقة التاريخية والعلمية التي تكشف عن نصٍّ يحمل دلالات حضارية بالغة الأهمية. إن العهد القديم، في جوهره البنيوي، ليس مجرد تلفيق عشوائي، بل هو مدونة صيغت بعقلية محلية عبقرية، حاولت تطويع الموروثات الكبرى لإنتاج هوية جماعية متماسكة في فترات حرجة من التاريخ القديم.

وحين نتأمل تفاصيل هذا النص، نجد أنه يمثل وعاءً جامعاً لأساطير تلفيفية مستمدة بذكاء من حضارات المشرق العظيمة، وهو ما تؤكده المقارنات النصية المباشرة مع المكتشفات الأثرية؛ فظلال بلاد الرافدين تظهر جلياً في قصة الطوفان التوراتية التي تتطابق تفاصيلها مع ملحمة جلجامش البابلية. أما نصوص أوغاريت المكتشفة في رأس شمرا، فقد كشفت عن اقتباس أدبي وبلاغي مباشر من الثقافة الكنعانية؛ حيث يوصف الإله "يهوه" في المزامير بحرفية اللقب الكنعاني "راكب السحاب"، وهو اللقب الثابت لإله العاصفة الأوغاريتي "بعل". ويمتد هذا التدوير الميثولوجي إلى صراع وحوش الفوضى، فالإشارات التوراتية المبهمة في مزامير إشعياء عن سحق التنين البحري المتعرج "لوياثان" ذي الرؤوس السبعة، تجد أصلها الأنثروبولوجي الكامل في أسطورة التنين الكنعاني "لوتان" وحش البحار الذي هزمته الآلهة الكنعانية لتأسيس النظام الكوني. حتى أسماء الجلالة التوراتية مثل "إيل" وجمعها "إلوهيم" تنحدر لغوياً ومفهومياً من ذات البيئة، حيث "إيل" هو رئيس مجمع الآلهة الأوغاريتي، وزوجته هي الآلهة الأم "أشيرة" التي حارب الأنبياء التوراتيون عبادتها الشعبية المتجذرة في وجدان المنطقة.

لكن إعادة التدوير الأسطورية هذه لا تلغي أبداً القيمة التوثيقية للنص، وهنا يبرز الخلل المعرفي عند من لا يميزون بين الرمز الأسطوري والمحتوى الأنثروبولوجي الواقعي. فالتوراة تعج بأسماء وشعوب وأماكن أكد علم الآثار المعاصر وجودها الفعلي بنقوش صريحة؛ فالأشوريون والبابليون دونوا غزواتهم على مسلاتهم، وقبائل قيدار والمديانيين والأنباط والعمونيين تركت وراءها شواهد حية. ولعل المقارنة بين ما ورد في سفر الملوك الثاني وبين "نقوش بريدج" الآرامية أو "نقوش تل القاضي" (تل دان) المكتشفة شمال فلسطين، تقدم دليلاً قاطعاً على هذا التمازج؛ فبينما تسرد الأسفار التوراتية الصراعات العسكرية العشائرية من منظورها الخاص، جاءت نقوش "تل دان" الحجرية المكتوبة بالآرامية القديمة لتوثق بشكل أصيل ذات المعارك التاريخية الواقعية وذكرت ملوكاً حقيقيين من الممالك المحلية مثل حزائيل ملك آرام. هذا يثبت أن الشعوب والملوك والآلهة المذكورة كـ "داجون" و"عناة" و"ملكوم" ما هي إلا المجمع الديني والبشري الأصيل لثقافة كنعان وفلسطين وجوارها، والتي عثر على تماثيلها ونصوصها في معابد المنطقة وتلالها الأثرية.

من هنا، يصبح من القصور الفكري التعامل مع هذا الكتاب كـ "نص عدو" إسقاطاً على الصراعات السياسية الحديثة. فالذين صاغوا هذه المدونات، سواء في مرحلة ما بعد السبي البابلي، أو في العصور الكلاسيكية اللاحقة، كانوا ينطلقون من منطلقات دينية وعشائرية بحتة محكومة بزمانها، ولم يكن يدور في خلد أحدهم ما ستؤول إليه التوظيفات الأيديولوجية والصهيونية في العصر الحديث. إنها كتابة دفاعية وتأسيسية تهدف في المقام الأول إلى حماية الجماعة المؤمنة ومنحها جذوراً متخيلة تضمن بقاءها وسط أمواج الإمبراطوريات العاتية.

إن القراءة العلمية المنصفة للعهد القديم، المدعومة بالشواهد الأثرية، تقودنا إلى استنتاجات محورية تخرج بنا من ضيق الأدلجة إلى اتساع التاريخ:

أولاً: النص التوراتي ليس وثيقة سماوية مجردة من المؤثرات الأرضية، وفي الوقت ذاته ليس مجرد "فبركة" خالية المعنى، بل هو مرآة تعكس التفاعل الثقافي الهائل والسرقة الأدبية المشروعة في العالم القديم بين شعوب المشرق العربي القديم.

 ثانياً: يمتلك النص قيمة أثرية وتاريخية غير مباشرة؛ إذ إن إثبات علم الآثار والنقوش الأصيلة لأسماء الملوك والشعوب (كالأنباط والأدوميين والآراميين) والآلهة (كداجون وعناة وملكوم) يجعله سجلاً أنثروبولوجياً حياً لملامح البيئة الكنعانية والفلسطينية القديمة في عصورها المبكرة.

 ثالثاً: يجب فصل النص التوراتي القديم بسياقاته العشائرية والتاريخية عن التوظيف السياسي المعاصر، ففهم التاريخ يتطلب دراسة العقلية التي أنتجته في زمنها لترميم هويتها المنكسرة بعد السبي، لا محاكمتها بأدوات الحاضر وصراعاته.