بيّاراتٌ فوقَ جمرِ الانتداب: كيفَ بنى الفلسطينيونَ نهضتَهم من لحمِهم الحيّ؟

تفاصيل النهضة الاقتصادية والتعليمية في فلسطين قبل عام 1948، وكيف تحدى الفلسطينيون الانتداب البريطاني وبنوا مؤسساتهم الوطنية بعرقهم.

بيّاراتٌ فوقَ جمرِ الانتداب: كيفَ بنى الفلسطينيونَ نهضتَهم من لحمِهم الحيّ؟
بيّاراتٌ فوقَ جمرِ الانتداب: كيفَ بنى الفلسطينيونَ نهضتَهم من لحمِهم الحيّ؟

بقلم:د. علاء أبوعامر 

كانت خيوط الشمس الأولى تهبط فوق ميناء يافا في صيف عام 1935، محملةً برائحة البرتقال الذكيّ وصوت بحّارتها وهم يشحنون الصناديق الخشبية إلى سفنٍ تمخر عباب البحر نحو غلاسكو ولندن وتريستا. في المقهى القريب من رصيف الميناء، كان أحد التجار يقلّب صفحات "جريدة الدفاع"، وبجانبه فنجان قهوة وسندات شحنٍ صادرة عن "البنك العربي". لم يكن هذا المشهد، المفعم بالحداثة والنشاط الاقتصادي المتكامل، هبةً من المندوب السامي البريطاني القابع في القدس، بل كان ثمرة كفاح مرير وعرقٍ فلسطيني خالص نبتَ من قلب الأرض رغم أنفِ المحتل.

تردد بعض الأقلام المتأثرة بروايات الاحتلال الصهيوني مقولةً مجحفة تزعم أن التطور المدني والاقتصادي الذي عاشته فلسطين قبل عام 1948 كان فضلًا وتأسيسًا من الانتداب البريطاني. لكن قراءةً واعية في دفاتر التاريخ والوثائق الرسمية المتربة تكشف زيف هذا الادعاء؛ فالحقيقة التي تسطع بها الأرقام والتقارير تؤكد أن النهضة الفلسطينية كانت "رغم الانتداب" وليست "بسببه".

لم تكن فلسطين أرضاً قاحلة تنتظر "مخلصاً" غربياً يعلمها كيف تبني المدن. تظهر سجلات المحاكم الشرعية والوثائق العثمانية المتأخرة أن فلسطين دخلت عصر التحديث ومؤسسات المجتمع المدني منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر.

قبل أن تطأ أقدام الجنرال اللنبي القدس عام 1917، كانت البلديات المنتخبة في يافا وحيفا والقدس تدير الشوارع، والإنارة، والأسواق. وكان قطار "سكة حديد الحجاز" يربط المدن الفلسطينية بدمشق وعمان وإسطنبول، ناقلاً البضائع والركاب والأفكار. أما برتقال يافا الشهير، فكان يُصدر بعشرات ملايين الصناديق إلى أوروبا عبر شركات ملاحة وطنية أسستها عائلات يافاوية قبل أن يعرف العالم ملامح "صك الانتداب".

حين أدرك المجتمع الفلسطيني أن حكومة الانتداب لا تبني للمجتمع العربي بل تمهد الأرض للمشروع الصهيوني، خاض الفلسطينيون معركة الاستقلال المالي والتعليمي بجهودٍ ذاتية خارقة.

في الجانب المالي، وبدلاً من الاعتماد على المصارف الأجنبية، أسس الاقتصادي العصامي عبد الحميد شومان "البنك العربي" في القدس عام 1930 برأس مال وطني، تلاه تأسيس "بنك الأمة العربية" عام 1943. لم تكن هذه البنوك مجرد دورٍ للصرافة، بل كانت قلاعاً اقتصادية تمول المزارعين العرب، وتحمي الأراضي من المصادرة، وتدعم المشاريع الصناعية الناشئة التي كانت تقض مضاجع المصانع البريطانية والصهيونية.

أما في قطاع التعليم، فتكشف الميزانيات الرسمية لحكومة الانتداب المرفوعة لعصبة الأمم مفارقةً مخزية: إذ لم تكن السلطات البريطانية تخصص سوى أقل من 5% من ميزانيتها لقطاعي التعليم والصحة للعرب، بينما يذهب جلّها للأمن وقمع الثورات العربية. ورداً على هذا التجهيل الممنهج، هبّ أهالي القرى والمدن الفلسطينية لجمع التبرعات من قوت يومهم لبناء المدارس وتجهيزها. وكان المفكر والتربوي الكبير خليل السكاكيني يوثق كيف كان المندوب السامي يماطل في منح تراخيص المدارس أو توظيف المعلمين، ومع ذلك، انتصر الإصرار الفلسطيني، وبلغت نسبة التعليم في المدن عشيّة النكبة مستويات قياسية أذهلت المراقبين الدوليين.

تثبت الوثائق الاقتصادية أن بريطانيا لم تأتِ لتبني اقتصاد فلسطين، بل جاءت لتمتص خيراتها وتمنح امتيازاتها للمستوطنين الصهاينة الغرباء عن الأرض وتاريخها وحضارتها. بموجب "قوانين الامتيازات"، منحت سلطات الانتداب روتينبرغ الصهيوني حق احتكار كهرباء فلسطين، ومنحت نوفوميسكي امتياز أملاح البحر الميت، حارمةً المستثمرين الفلسطينيين من استغلال الموارد الطبيعية لبلادهم.

ورغم هذه القيود الجمركية الظالمة و"ضريبة الأملاك الوعرة" التي فرضتها بريطانيا لإرهاق الفلاح الفلسطيني وإجباره على ترك أرضه، انتفضت الصناعة الوطنية. ازدهرت مصانع الصابون النابلسي التي ملأت أسواق الشام ومصر، ونمت معامل النسيج الكبرى في المجدل وغزة، وتأسست شركات السجائر الوطنية في يافا وحيفا. ونظمت غرف التجارة العربية معارض تجارية مستقلة، كمعرض يافا الشهير عام 1935، الذي عكس وجهاً حضارياً وصناعياً رفيعاً لفلسطين المنتجة.

إن محاولة تجيير التطور الفلسطيني قبل عام 1948 لصالح الانتداب البريطاني هي مغالطة تاريخية، ومحاولة بائسة لسرقة إرث شعبٍ بنى مجده بعرقه ودماء أبنائه. لم تكن المصانع والمدارس والموانئ والبنوك والمستشفيات هدايا مغلفة من لندن؛ بل كانت خطوط دفاعٍ شيدها الفلسطينيون من لحمهم الحي في معركة بقاءٍ غير متكافئة. لقد عاشت فلسطين قبل النكبة نهضةً حضارية واقتصادية مبهرة، ليس "بفضل" الانتداب، بل "رغم" قيوده وظلمه، لتظل تلك الحقبة الموثقة شاهداً حياً على أن هذه الأرض كانت تنبض بالحياة، والوعي، والقدرة على البناء، قبل أن تقتلعها مخالب المؤامرة والنكبة.