رقصة الفوضى الممنهجة: عندما تشتري السلطة بقاءها بدم النسيج الواحد

تعرف على كيفية لجوء الأنظمة السياسية الفاقدة للشرعية إلى هندسة الفتن الداخلية وصنع الأعداء لإنهاك المجتمع وتثبيت أركان حكمها عبر استراتيجية إحراق البيت.

رقصة الفوضى الممنهجة: عندما تشتري السلطة بقاءها بدم النسيج الواحد
رقصة الفوضى الممنهجة: عندما تشتري السلطة بقاءها بدم النسيج الواحد

بقلم:د. علاء أبوعامر 

حين تشعر الأنظمة السياسية بأن بساط الشرعية الوطنية بدأ ينسحب من تحت أقدامها، وأن جدران الثقة التي بنتها مع شعوبها قد تداعت، لا تسقط عادة في صمت. في تلك اللحظات المصيرية والحرجة، يتملكها ذعر الوجود، فتتحول من أداة لحفظ الاستقرار إلى مهندس بارع في إدارة الخراب. إنها اللحظة التي تتوقف فيها السلطة عن كونها مظلة للجميع، لتصبح طرفاً خفياً يحرك خيوط اللعبة من خلف الستار، متبنية استراتيجية البقاء عبر إحراق البيت المشتعل أساساً.

لا شيء في عالم السياسة يحدث فجأة أو يولد من رحم المصادفة، فالفتن النائمة لا تستيقظ وحدها، بل هناك دائماً يد خفية توقظها بعناية. عندما تجد السلطة نفسها عارية من الرضا الشعبي، توجّه كل ثقلها وجهدها لخلق حالة من الاحتراب الداخلي وتفكيك الجبهة الوطنية. يبدأ الأمر بتحديد خطوط الصدع داخل المجتمع، سواء كانت هذه الخطوط سياسية، أو حزبية، أو قومية، أو طائفية، بل وحتى رياضية. يتحول التنافس الطبيعي والصحي بين أبناء الوطن الواحد، بقدرة قادر، إلى صراع وجودي صفري، حيث يرى كل طرف في الآخر تهديداً مميتاً لهويته.

خلف هذا المشهد الفوضوي يقف تخطيط بارد يوصف في أروقة الحكم الضيقة بأنه حكمة سياسية عميقة، بينما هو في حقيقته سلوك مدمر. تعتمد هذه الهندسة العكسية على تحويل مجرى النهر؛ فبدلاً من أن يتدفق غضب الشارع نحو النخبة الحاكمة ومطالبتها بالإصلاح والعدالة، يتم توجيه هذا الغضب أفقياً، ليشتبك المواطنون مع بعضهم البعض. يُصنع "العدو الداخلي" ويُشيطن الحزب المخالف، وتُغذى المنابر الإعلامية بخطاب الكراهية، وتُستغل الملاعب الرياضية لتمرير الرسائل المشحونة، حتى يغدو المجتمع غابة من الهويات المتصارعة التي يخشى بعضها بعضاً.

الهدف الأسمى لهذا التخطيط ليس انتصار طرف على آخر، بل إنهاك الجميع. فحين يغرق المجتمع في تفاصيل الدفاع عن نفسه ضد أخيه في الوطن، ينسى المطالب الكبرى وتتلاشى من وعيه قضايا الحقوق والحريات والفساد. وفي وسط هذه المعمعة، يتقدم النظام المأزوم خطوة إلى الأمام ليرتدي قناع المنقذ الحكيم وصمام الأمان الوحيد. يلتفت إلى الداخل والخارج قائلاً إن غيابه يعني الطوفان والحرب الأهلية، وبذلك، يستبدل شرعيته الوطنية المفقودة بشرعية جديدة قائمة على الخوف والحاجة إلى الأمن. إنها المأساة السياسية المتكررة، حيث يُصنع الداء عمداً، ليُباع الدواء باهظ الأثمان.