سراب القوة ورماد الرهان
قراءة تحليلية في المآزق الوجودية للمشروع الإسرائيلي عبر رؤى نخبة من المفكرين والمؤرخين العالميين، وتداعيات الاعتماد المفرط على القوة والبطش.
بقلم: د.علاء أبوعامر
في زوايا التاريخ المعتمة، لم تكن الهزائم تبدأ دائماً بصرخة الميدان، بل بالصمت المريب الذي يعقب نشوة القوة. تستيقظ المجتمعات المتغطرسة ذات يوم لتكتشف أن القلاع التي شيدتها من الفولاذ والبارود لم تكن سوى أسوار متداعية من القش، وأن التفوق المادي المفرط، إن خَلا من الشرعية الأخلاقية والعقلانية السياسية، يستحيل عبئاً يثقل كاهل صاحبه حتى يورده الموارد.
عقود من الزمن شُيّدت فيها رؤية تزعم أن السلام يُفرض بحد السيف، وأن حقوق الآخرين يمكن محوها من الخارطة بقرار سياسي أو زحف استيطاني. ساد الاعتقاد بأن تقويض القوانين الدولية والاتكاء المطلق على حماية الحليف الأكبر كفيلان بضمان بقاء الأسطورة. غير أن تحولات الواقع لا تعترف بالأساطير؛ فالشعوب عندما تُحاصر لا تتلاشى، والأيديولوجيات القائمة على العزل وإقصاء الآخر تنتهي دائماً بتبديد أمنها الذاتي.
لقد انقلب الرهان، وأصبحت القوة المفرطة تُنتج أزمات وجودية معقدة. يصف المفكر الاقتصادي والأكاديمي الأمريكي جيفري ساكس هذا المأزق الشديد بقوله:
"إن مشروع إسرائيل الكبرى القائم على نفي حق الدولة الفلسطينية ليس خياراً أمنياً، بل هو حماسة دينولوجية وجنون عظة يقتل إسرائيل ببطء؛ إذ جردها من شرعيتها الأخلاقية وجعلها تعيش أزمة وجودية من صنع يديها، معتمدة على حليف أمريكي تتآكل فيه المشاعر الشعبية الداعمة لها."
تتلاقى هذه الرؤية مع تحليلات العقول السياسية الأكثر واقعية في الغرب؛ إذ يرى عالم السياسة الأمريكي جون ميرشايمر أن الاعتماد المفرط على البطش العسكري دون مسار سياسي يمثل انتحاراً استراتيجياً، موضحاً ذلك بقوله:
"إسرائيل تتجه نحو واقع الدولة الواحدة القائمة على الفصل العنصري، وهو وضع غير قابل للاستدامة أخلاقياً ولا استراتيجياً؛ إذ سيجعل منها دولة منبوذة كلياً في النظام الدولي، ويقوض حتماً أمنها على المدى البعيد."
إن المشهد اليوم يتجاوز مجرد مواجهة عسكرية على جبهة محددة؛ إنه استنزاف بطيء لشرعية فكرة لم تستطع أن تكسب احترام العالم، ولا أن تمنح الطمأنينة لسكانها. يحذر المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه من هذا التفكك البنيوي الداخلي قائلاً:
"نحن نشهد بداية النهاية للمشروع الصهيوني بصيغته الحالية؛ فالنظام الاستعماري الذي يعتمد فقط على القوة العسكرية ينتهي به المطاف إلى التآكل الذاتي من الداخل عندما يفقد العقد الأخلاقي والتلاحم الاجتماعي."
ويكتمل هذا التشخيص بما يطرحه المؤرخ والأكاديمي رشيد الخالدي، حين يعري الرهان الراهن على محو القضية الفلسطينية بقوله:
"لقد أثبتت المائة عام الماضية أن محاولات القفز فوق الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني وإنكار وجوده لم تزد المسألة إلا اشتعالاً، وأن تجديد واقع السيطرة المطلقة يخلق حالة استعمارية لا يمكن أن تبلغ الاستقرار مطلقاً."
عندما يصبح أفق السلام مغلقاً، وتتحول أدوات السيطرة إلى قنابل موقوتة في الداخل، يبدأ المشروع بالانكماش تدريجياً، ليجد نفسه بين خيارين كلاهما مر: إما اعتراف قسري بحقوق الآخرين ومغادرة وهم الهيمنة، أو انزلاق متواصل نحو التفكك والضمور.
فقد ثبت أن الاعتماد الحصري على التفوق العسكري والحلول الأمنية لا يحقق استقراراً استراتيجياً، بل يولد دوامات مستمرة من الصراع تفقد فيه الدولة أمنها المستدام، وكذلك الإصرار على نفي حقوق الطرف الآخر وتنفيذ سياسات الأبارتهايد لابد أن يؤدي إلى عزلة متزايدة وتراجع حاد في الدعم الشعبي العالمي، حتى داخل المجتمعات الغربية وهو ما يتبدى لنا منذ الآن، وسياسة الاستيطان الممنهج ورفض قيام دولة فلسطينية ضمن خيار "حل الدولتين" وجعله غير قابل للتطبيق عملياً، سيفرض واقع الدولة الواحدة كمآل حتمي أو يفتح الباب أمام سيناريوهات الانفجار والتفكك.
لا يمكن للحقائق التاريخية أن تُطمس للأبد برهان القوة؛ فالأنظمة والتجارب التي تبني بقاءها على إنكار حقوق الآخرين وتجريدهم من إنسانيتهم تنتهي دائماً بمواجهة مرآة ذاتها. وإن المحاولات الراهنة للهروب من استحقاقات السلام العادل ليست إلا تأجيلاً لمعادلة صفرية، أصلها أن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى على جثث الحقوق، وأن خيار العيش المشترك أو الانهيار الجماعي أصبح مسألة وقت لا أكثر.