سر آل عمران المغيب.. الكاهن الذي سجد في قدس الأقداس ورجمه أدعياء الناموس

اكتشف تفاصيل التاريخ المغيب ليعقوب البار شقيق المسيح وعلاقته بآل عمران ومعبد حرد العربي في القدس وروايات نجع حمادي.

سر آل عمران المغيب.. الكاهن الذي سجد في قدس الأقداس ورجمه أدعياء الناموس
سر آل عمران المغيب.. الكاهن الذي سجد في قدس الأقداس ورجمه أدعياء الناموس

سر آل عمران المغيب.. الكاهن الذي سجد في قدس الأقداس ورجمه أدعياء الناموس

بقلم: د. علاء أبوعامر

في زوايا التاريخ المنسية، خلف السطور التي كتبها المنتصرون وصاغتها المجامع اللاحقة، تقبع الحقيقة المذهلة لرجل كان ملء السمع والبصر في "هيروسوليما" (القدس). إنه يعقوب البار، شقيق المسيح عيسى بن مريم، وحارس الناموس الطاهر في زمن انحرف فيه الجميع. لم يكن يعقوب مجرد تابع في حقل الدعوة الجديدة، بل كان الامتداد الشرعي والوريث الحقيقي لعهد الموسوية الأولى، عهد الأنبياء قبل أن تتبدل الملامح وتولد "اليهودية الحاخامية" بشكلها التلمودي اللاحق في القرن الرابع للميلاد وما بعده (كما يذكر المؤرخون المحدثون في دراسات نشأة الأديان). 

تبدأ القصة من ذلك النسب العريق الممتد إلى آل عمران، حيث البيت الكهنوتي الهاروني الأصيل. كان يعقوب يحمل في عروقه طهارة هذا الخط، وهو ما منحه شرعية ومكانة لم تتوافر لغيره. وفي بيئة تعج بالصراعات الروحية والسياسية، وقف الفلسطيني ابن الجليل يعقوب البار شامخاً يذود عن التوحيد الصارم للموسوية الأولى. بالنسبة له، وللجماعة الأولى التي قادها في القدس، كان شقيقه عيسى بن مريم هو المعلم البار، والمسيا المنتظر، والنبي المرسل لتطهير عهد موسى وتجديده، ولم يكن يوماً إلهاً يُعبد (وهذا ما تؤكده الدراسات التاريخية حول طائفة الأبيونيين والناصريين الأوائل). هذا الإيمان التوحيدي النقي جعله في صدام فكري حاد مع الأفكار التي وفدت لاحقاً لتأليه المسيح وإسقاط الشريعة لاستقطاب الأمم الوثنية (وهو الخلاف الاحتجاجي الموثق تاريخياً في سفر أعمال الرسل ورسائل بولس). تتجلى عظمة يعقوب الكهنوتية فيما حفظته لنا الذاكرة التاريخية من تفاصيل مذهلة عن عبادته داخل معبد "حرد العربي" في القدس ؛ فقد كان الرجل الوحيد الذي يملك حقاً شرعياً معترفاً به لدخول "قدس الأقداس"، وهو الامتياز الإلهي المخصص لخط الكهنوت الهاروني. كان يدخل ذلك الموضع المهيب بمفرده، مجرداً من بهرج الدنيا، يرتدي الكتان الأبيض الخالص، ويقضي الساعات الطوال راكعاً وساجداً يستغفر لشعبه، حتى تيبس جلده وجف وصار كجلد الجمل من كثرة الركوع والسجود (وفقاً للشهادة التاريخية المبكرة التي نقلها المؤرخ الكنسي هيجيسيبوس وحفظها المؤرخ يوسابيوس القيصري في كتابه التاريخ الكنسي). لم يكن هذا النسك خافياً على أحد، بل كان عامة المؤمنين ينظرون إليه بهيبة وإجلال كونه الحارس الأخير لروحانية العهد الأول المفقودة. ولم تكن نصوص نجع حمادي السرية التي عُثر عليها في صعيد مصر إلا كشفاً يعيد ليعقوب حقه المسلوب؛ ففي تلك الأناجيل الغنوصية، تظهر مكانته الكونية الفائقة. يوصي المسيح تلاميذه صراحة في (إنجيل توما، القول 12) بأنه عند رحيله، فإن وجهتهم وملاذهم هو يعقوب البار، ذلك الرجل الذي "من أجله خُلقت السماء والأرض". 

وفي الرؤى المنسوبة إليه (كتاب رؤية يعقوب الأولى ورؤية يعقوب الثانية من مكتبة نجع حمادي)، نجد المسيح يخص شقيقه بأسرار معرفية عليا، وينصبه حارساً على الحق، مما يثبت أنه كان القَيّم الروحي الشرعي على الرسالة بعد رفع المسيح. لكن النقاء لا يدوم في عالم تحكمه السياسة والمصالح؛ فقد أثارت شعبية يعقوب الجارفة وتمسكه بالموسوية الأولى رعباً في قلوب المؤسسة المتنفذة في القدس بقيادة رئيس الكهنة "حنان بن حنان". وفي عام اثنين وستين للميلاد، استغل هؤلاء غياب الوالي الروماني ليحيكوا مؤامرتهم الدنيئة (كما يروي المؤرخ اليهودي يوسيفوس فلافيوس في كتابه عاديات اليهود). اقتيد الشيخ البار إلى أعلى جناح في "معبد حرد العربي" في القدس، وطُلب منه أمام الحشود المتجمعة أن يتبرأ من رسالة أخيه عيسى المسيح، لكنه وبصلابة الأنبياء، هتف بالحق وأعلن صدق نبوة عيسى بن مريم. 

جن جنون الطغاة، فدفعوه من ذلك العلو الشاهق ليسقط على الأرض مضرجاً بدمائه. ومثل شقيقه، لم يطلب الانتقام، بل جثا على ركبتيه المتهالكتين يصلي لقاتليه مستغفراً لجهلهم، وقبل أن يتم صلاته، تقدم رجل غليظ القلب وضربه بهراوة ثقيلة على رأسه (وفقاً لرواية القديس جيروم والمؤرخين الأوائل)، ليفيض روح الكاهن البار إلى بارئها.

رحل "يعقوب البار"، وبموته انطوت صفحة نقية من صفحات الموسوية الأولى التي حاولت الحفاظ على رسالة المسيح في إطارها التوحيدي الأصيل. ولم يمر وقت طويل على هذه الجريمة النكراء، حتى حلت الفوضى بالقدس واجتاحها الرومان عام سبعين للميلاد مدمرين "معبد حرد العربي" بأسره، وهو الحدث الذي رآه مؤرخو ذلك العصر (ومنهم يوسيفوس فلافيوس في بعض اقتباساته المفقودة التي نقلها أوريجانوس) عقاباً كونياً مباشراً على سفك دم الرجل البار الذي كان دعامة الحق وحارس العهد. 

إن إعادة قراءة سيرة يعقوب البار من خلال مخطوطات نجع حمادي وحقائق التاريخ تعيد تشكيل فهمنا لبدايات الرسالة العيسوية؛ وتوضح كيف أن الخط الذي قاده شقيق المسيح كان خطاً توحيدياً متمسكاً بالناموس الموسوي الطاهر ومقاوماً لكل محاولات التأليه والتبديل التي طرأت لاحقاً لملائمة الثقافات الوثنية. 

ليبقى يعقوب البار الشاهد التاريخي الأكبر على أن رسالة عيسى بن مريم كانت تجديداً للتوحيد، لا تأسيساً للاهوت جديد.

المصدر: يلا نيوز نت