لماذا تهاجم ايران الأردن ؟.. مواجهة بين التصريحات الرسمية والواقع على الأرض

تحقيق صحفي استقصائي يرصد أبعاد التواجد العسكري الأمريكي في الأردن ويتتبع الفجوة بين البيانات الرسمية وطبيعة الاتفاقيات الدفاعية الموقعة بين الطرفين

لماذا تهاجم ايران الأردن ؟.. مواجهة بين التصريحات الرسمية والواقع على الأرض
لماذا تهاجم ايران الأردن ؟.. مواجهة بين التصريحات الرسمية والواقع على الأرض

التوتر الأردني الإيراني وتساؤلات الدور الميداني

مع كل جولة تصعيد عسكري في المنطقة، تعود إلى الواجهة التساؤلات الحادة حول أسباب استهداف إيران وحلفائها للأردن بالهجوم الإعلامي والسياسي، وربما العسكري عبر المسيرات والصواريخ. وعلى الرغم من أن الرواية الرسمية في عمّان تسعى دائماً لتصوير المملكة كطرف محايد يقتصر دوره على حماية سماء البلاد، إلا أن تتبع الوثائق والبنود الميدانية يظهر واقعاً مختلفاً يضع الأردن في عمق المواجهة العسكرية كقاعدة ارتكاز استراتيجية للولايات المتحدة وحلفائها.

إن إصرار الخطاب الحكومي على نفي وجود "قواعد أجنبية" يصطدم مباشرة بحجم ونوعية التواجد العسكري الغربي الصريح، مما يحول التصريحات الرسمية إلى مجرد مبررات سياسية للتغطية على التزامات وأدوار أمنية تتجاوز مفهوم الدفاع عن الحدود الوطنية.

اتفاقية 2021: تفويض مطلق وهيمنة بلا قيود

تتمحور خفايا هذا الدور حول اتفاقية التعاون الدفاعي التي جرى توقيعها بعيداً عن الرقابة البرلمانية الشعبية في مارس 2021. وبموجب بنود هذه الاتفاقية، مُنحت القوات الأمريكية تفويضاً واسعاً وحرية غير مشروطة للتنقل، وتخزين مختلف أنواع الأسلحة والعتاد، ودخول وسائط النقل العسكرية دون خضوع لأي تفتيش أو قيود جمركية أو إجرائية أردنية.

وتكشف التقارير العسكرية وتفاصيل الاتفاقية أن الولايات المتحدة لا تتعامل مع الأراضي الأردنية كمجرد موقع للتدريب المشترك كما يُروج رسمياً، بل كحلقة وصل لوجستية وأمنية مركزية تربط قواعدها في الخليج العربي بالعمق الإقليمي، وتوفر لها بيئة عمل حرّة تُستخدم لتأمين المصالح الأمريكية والإسرائيلية وتوجيه العمليات الاستخبارية والعسكرية عند الأزمات.

خريطة الانتشار العسكري: مواقع وقواعد تحت الخدمة الأمريكية

تُظهر البيانات الاستقصائية أن القوات الأمريكية، التي يتجاوز عددهم 4000 جندي ومستشار، تتمركز في عدة مواقع استراتيجية تحولت في جوهرها إلى قواعد عمليات متقدمة، أبرزها:

1. قاعدة موفق السلطي الجوية (الأزرق): والتي تُعد الشريان الأساسي لعمليات الطيران الأمريكي، وتضم مقاتلات حديثة من طراز F-15E وطائرات استطلاع وتجسس تُستخدم لمراقبة وأدار المعارك الجوية في المنطقة.

2. قاعدة الأمير حسن (الصفاوي): وتعرف بمحطة C-17، حيث تُستخدم منذ عقود كممر استراتيجي للشحن العسكري الثقيل، إلى جانب استضافتها لطائرات مقاتلة فرنسية من طراز "رافال" منذ عام 2014.

3. موقع "برج 22": نقطة لوجستية وأمنية متقدمة على الحدود الشمالية الشرقية، تُستخدم للعمليات والتغلغل عبر الحدود السورية والعراقية.

4. مركز التدريب المشترك بالزرقاء وقاعدة الملك حسين بالمفرق: مراكز حيوية لتنسيق التحركات العسكرية، وإدارة عمليات العبور والدعم اللوجستي الاستخباري.

منظومات "ثاد" وجدار حماية إسرائيل: أبعاد الانخراط الميداني

التناقض الأبرز بين الرواية الرسمية والواقع يظهر في طبيعة منظومات الدفاع الجوي والرادارات الحديثة المنشورة داخل الأردن، وعلى رأسها منظومة "ثاد" (THAAD) وبطاريات "باتريوت". وفي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة أن هذه الأنظمة جُاءت لحماية أجواء المملكة، تؤكد المعطيات العسكرية أنها تعمل ضمن شبكة رصد وإنذار مبكر إقليمية موحدة تشرف عليها القيادة المركزية الأمريكية.

هذا الربط التقني والعملياتي يجعل من المنظومات المنشورة في الأردن خط الدفاع الأول لاكتشاف وتتبع الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة الإيرانية فور انطلاقها، وبالتالي الاعتراض المباشر أو تزويد أنظمة الدفاع الإسرائيلية والأمريكية ببيانات الإحداثيات المبكرة لإحباط الهجمات قبل وصولها إلى أهدافها. هذا التداخل العملياتي هو السبب الرئيسي الذي يدفع طهران لاعتبار الأردن جدار حماية متقدم لخصومها وشريكاً في الجهود العسكرية الموجهة ضدها.

أزمة المصداقية بين الخطاب السياسي والواقع الميداني

إن القراءة الاستقصائية لواقع التواجد العسكري في الأردن تكشف عن تناقض صارخ بين تصريحات النفي الرسمية وبين البنود القانونية والتسهيلات الميدانية الممنوحة للقوات الأجنبية مقابل المساعدات المالية والعسكرية المباشرة (والبالغة نحو 1.45 مليار دولار سنوياً). هذا الانخراط الهيكلي ضمن الاستراتيجية العسكرية الأمريكية تجعل من الأردن خط مواجهة أمامي في نظر طهران، وتجعل من النفي الرسمي مجرد خطابات دبلومسية للاستهلاك المحلي لا تغير من واقع الحقائق الميدانية شيئاً.

المصدر: يلا نيوز نت| تحقيق استقصائي خاص

تاريخ النشر: 21 يوليو 2026